ابن أبي أصيبعة

218

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ولا مؤخرة وأنا أرى للأمير أن يعهد فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يوما عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي به إلا ثلاثة أيام حتى يخرج من علته هذه ويعود بدنه إلى أحسن مما كان عليه ونهض من مجلسه وقد أسكن قلب عيسى من الخوف ما امتنع له من أكثر الغذاء ومنعه من النوم فلم يبلغ أربعين يوما حتى انحط من منطقته خمس بشيزجات واستتر عيسى أبو قريش في تلك الأيام عن الرشيد خوفا من إعلام الرشيد عيسى بن جعفر تدبير عيسى المتطبب لإسكان الغم قلبه فيفسد عليه تدبيره فلما كان ليلة يوم الأربعين سار إلى الرشيد وأعلمه أنه لا يشك في نقصان بدن عيسى وسأله إحضاره مجلسه أو الركوب إليه فركب إليه الرشيد فدخل عليه ومعه عيسى فقال له عيسى أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر فقد قتلني واحضر منطقته فشدها في وسطه وقال يا أمير المؤمنين نقص هذا العدو والله من بدني بما ادخل علي من الروع خمس بشيزجات فسجد الرشيد شكرا لله وقال له يا أخي متعت بك بأبي عيسى وكان الرشيد كثيرا ما يقول له بأبي عيسى ردت إليك بعد الله الحياة ونعم الحيلة احتال لك وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار فأوصل إليه مثلها ففعل ذلك له وانصرف المتطبب إلى منزله بالمال ولم يرجع إلى عيسى بن جعفر ذلك الشحم إلى أن فارق الدنيا قال يوسف وحدثني إبراهيم بن المهدي أنه اعتل بالرقة مع الرشيد علة صعبة فأمر الرشيد بحدره إلى والدته بمدينة السلام فكان بختيشوع جد بختيشوع الذي كان في دهرنا هذا لا يزايله ويتولى علاجه ثم قدم الرشيد مدينة السلام ومعه عيسى أبو قريش فذكر أن أبا قريش أتاه عائدا فرأى العلة قد أذهبت لحمه وأذابت شحمه وأسارته إلى اليأس من نفسه وكان أعظم ما عليه في علته شدة الحمة قال أبو إسحق فقال لي عيسى وحق المهدي لأعالجنك غدا علاجا يكون به برؤك قبل خروجي من عندك ثم دعا القهرمان بعد خروجه فقال له لا تدع بمدينة السلام أسمن من ثلاثة فراريج كسكرية تذبحها الساعة وتعلقها في ريشها حتى آمرك فيها بأمري غداة غد ثم بكر إلي ومعه ثلاث بطيخات رمشية قد بردها في الثلج ليلته كلها فلما دخل علي دعا بسكين فقطع لي من إحداهن قطعة ثم قال لي كل هذه القطعة فأعلمته أن بختيشوع كان يحميني من رائحة البطيخ فقال لي لذلك طالت علتك فكل فإنه لا بأس عليك فأكلت القطعة إلتذاذا مني لها ثم أمرني بالأكل فلم أزل آكل حتى استوفيت بطيختين ثم انتهت نفسي فقطع من الثالثة قطعة وقال جميع ما أكلت للذة فكل هذه القطعة للعلاج فأكلتها بتكره ثم قطع قطعة أخرى وأومأ إلى الغلمان بإحضار الطشت وقال لي كل هذه القطعة أيضا فما أكلت ثلثها حتى جاشت نفسي وذرعني القيء فتقيأت أربعة أضعاف ما أكلت من البطيخ وكل ذلك مرة صفراء ثم أغمي علي بعد ذلك القيء وغلب علي العرق والنوم إلى بعد صلاة الظهر فانتبهت وما أعقل جوعا وقد كانت شهوة الطعام ممتنعة مني فدعوت بشيء آكله فأحضرني الفراريج الثلاثة وقد طبخ لي منها