ابن أبي أصيبعة
128
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
رأوا ذلك عيانا فبهتوا في ذلك الوقت ولزموا الصمت واكسبني ذلك من قلوبهم البغضة ولقبوني البديع القول حضرت مرة أخرى مريضا وقد ظهرت فيه علامات بينة جدا تدل على الرعاف فلم اكتف بأن أنذرت بالرعاف حتى قلت أنه يكون من الجانب الأيمن فلامني من حضر ذلك من الأطباء وقالوا حسبنا ليس بنا حاجة إلى أن تبين لنا فقلت لهم واراكم مع ذلك انكم عن قريب سيكثر اضطرابكم ويشتد وجلكم من الرعاف الحادث لأنه سيعسر احتباسه وذلك أني لست أرى طبيعته تقوى على ضبط المقدار إلي يحتاج اليه من الاستفراغ والوقوف عنده فكان الامر على ما وصفته ولم يقدر أولئك الأطباء على حبس الدم لأنهم لم يعلموا من اين ابتدأ حين ابتدأت حركته وقطعته أنا بأهون السعي فسماني أولئك الأطباء البديع الفعل وحكى أيضا من هذا الجنس مما يدل على براعته وقوته في صناعة الطب في كتابه هذا ما هذه حكايته قال وقد حضرت مرة مع قوم من الأطباء مريضا قد اجتمعت عليه نزلة مع ضيق نفس فتركت أولئك الأطباء أولا يسقونه الأدوية التي ظنوا انه ينتفع بها فسقوه أولا بعض الأدوية التي تنفع من السعال والنزلة وهذه الأدوية تشرب عند طلب المريض النوم وذلك انها تجلب طرفا من السبات حتى أنها تنفع من به ارق وسهر فنام ليلته تلك بأسرها نوما ثقيلا وسكن عنه السعال وانقطعت عنه النزلة إلا أنه جعل يشكو ثقلا يجده في آلة النفس واصابه ضيق شديد في صدره ونفسه فرأى الأطباء عند ذلك أنه لا بد من أن يسقوه شيئا مما يعين على نفث ما في رئته فلما تناول ذلك قذف رطوبات كثيرة لزجة ثم أن السعال عاوده في الليلة القابلة وسهر وجعل يحس بشيء رقيق ينحدر من رأسه إلى حلقه وقصبة رئته فاضطروا في الليلة القابلة ان يسقوه ذلك الدواء المنوم فسكن عنه عند ذلك النزلة والسعال والسهرة الا ان نفسه ازداد ضيقا وساءت حاله في الليلة القابلة سوءا فلم تجد الأطباء معه بدا من أن يسقوه بعض الأدوية الملطفة المقطعة لما في الرئة فلما أن شرب ذلك نقيت رئته إلا أنه عرض له من السعال ومن كثرة الربو ومن الارق بسببهما ما لم يقو على احتماله فلما علمت أن الأطباء قد تحيروا ولم يبق عندهم حيلة سقيته بالعشي دواء لم يهج به سعالا ولا نزلة وجلب له نوما صالحا وسهل عليه قذف ما في رئتيه وسلكت بذلك المريض هذه الطريق فأبرأته من العلتين جميعا في أيام يسيرة على أنهما علتان متضادتان فيما يظهر ويتبين من هذا لمن يريده ان من قال من الأطباء انه لا يمكن ان يبرأ بدواء مرضان متضادان لم يصب وأنا أول من استخرج استعمال هذه الأدوية واستعمال الأدوية التي تعالج بها القرحة العارضة في الرئة من قبل نزلة تنحدر اليهما من الرأس وغير ذلك من أدوية كثيرة سأبين طريق استعمالها في كتاب تركيب الأدوية وقال جالينوس في كتابه في أن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم من شرح حاله ما هذا نصه قال فاني لم أطلب من أحد من تلاميذي أجرة ولا من مريض من المرضى الذين أعالجهم