ابن العربي

224

أحكام القرآن

المسألة الثانية قد قدمنا أن العقول لا حكم لها بتحسين ولا تقبيح ولا تحليل ولا تحريم وإنما ذلك إلى الشرع إذ العقول لا تهتدي إلى المنافع التي ترشد من ضلال الخواطر وتنجي من أهوال الآخرة بما لا يهتدي العقل إلى تفصيله ولا يتمكن من تحصيله فكيف أن تغير ما مهده الشرع وتبدل ما سنه وأوضحه وذلك كله من غرور الشيطان ووساوسه وتحكمه على الخلق بالوعد الصادق لأجلبن عليهم ولأشاركنهم ولأعدنهم قال الله عز وجل ( * ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) * ) ) المسألة الثالثة تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد وقد ذكر الله سبحانه ذم الكفار باتباعهم لآبائهم بالباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية في مواضع من القرآن وأكد النبي ذلك وإنما يكون كما فسرناه في الباطل فأما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمون يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر وقد اختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول فأما جوازه بل وجوبه في مسائل الفروع فصحيح وهو قبول قول العالم من غير معرفة بدليله ولذلك منع العلماء أن يقال إنا نقلد النبي لأنا إنما قبلنا قوله بدليل ظاهر وأصل مقطوع به وهو المعجزة التي ظهرت على يده موافقة لدعواه ودالة على صدقه وقد بينا أحكام التقليد ووجهه في كتب الأصول لبابه أنه فرض على العامي إذا نزلت به نازلة أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه وعليه الاجتهاد في معرفة أعلم أهل وقته