ابن العربي

208

أحكام القرآن

الأول قال سعيد بن جبير قياما للناس أي صلاحا الثاني قياما للناس أي أمنا الثالث يعني في المناسك والمتعبدات قاله الزجاج وغيره والقول الأول يدخل في الثاني لأن الأمن من الصلاح ويدخل التمكن من المناسك والعبادات فإن لكل مصلحة وفائدة ذلك وحكمته أن الله سبحانه خلق الخلق في الجبلة أخيافا يتقاطعون تدابرا واختلافا ويتنافسون في لف الحطام إسرافا لا يبتغون فيه انصافا ولا يأتمرون فيه برشد اعترافا فأمرهم الله سبحانه بالخلافة وجعل فيهم المملكة وصرف أمورهم إلى تدبير واحد يزعهم عن التنازع ويحملهم على التألف من التقاطع ويردع الظالم عن المظلوم ويقرر كل يد على ما تستولي عليه حقا ويسوسهم في أحوالهم لطفا ورفقا وأوقع في قلوبهم صدق ذلك وصوابه وأراهم بالمعاينة والتجربة صلاح ذلك في ابتداء الأمر ومآله ولقد يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن فالرياسة للسياسة والملك لنفي الملك وجور السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة فأنشأ الله الخليقة لهذه الفائدة والمصلحة على الملوك والخلفاء كلما بان خليفة خلفه آخر وكلما هلك ملك ملك بعده غيره ليستتب به التدبير وتجري على مقتضى رأيه الأمور ويكف الله سبحانه عادية الجمهور فإذا بعث نبيا سخر الله سبحانه له الملك في وقته إن كان ضعيفا فكان صغوه إليه وعونه معه كما فعل بدانيال وأمثاله وإن بعثه قويا يسر له الاستيلاء على الزمان وأهله وأعرى أرض السلطان عن ظله وجعل الأمر في الدين وأهله كما فعل بموسى ولما أراده الله من التيسير على نبيه محمد والتقديم له والتشريف لقومه أسكن أباه إسماعيل البلدة الحرام حيث لا إنس ولا أنيس واستخرج فيها ذريته وساق إليه من الجوار من عمرت به تلك البلاد والديار وجردهم عن الملك تقدمة لرئاسة الملة وكانوا على جبلة الخليقة