الثعلبي
61
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
حلاّقك فيحلقك . فقام فخرج ، فلم يكلِّم أحداً منهم كلمة حتى نحر بدنته ، ودعا حالقه ، فحلقه ، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أُمية بن الفضل الخزاعي ، فأما يوم الحديبية فحلق رجال وقصّر آخرون ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( يرحم الله المحلّقين ) . قالوا : والمقصّرين يا رسول الله ؟ قال : ( يرحم الله المحلّقين ) ، قالوا : والمقصّرين يا رسول الله ؟ قالوا : فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين ؟ . قال : ( لأنّهم لم يشكّوا ) . قال ابن عمر : وذلك أنّه تربض القوم ، قالوا : لعلّنا نطوف بالبيت . قال ابن عبّاس : وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برة من فضّة ، ليغيظ المشركين بذلك ، ثمّ جاءه صلى الله عليه وسلم نسوة مؤمنات ، فأنزل الله تعالى : " * ( يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا إذا جاءَكم المُؤْمِنات مُهاجرات ) * ) . . . الآية ، قال : فطلّق عمر امرأتين كانتا له في الشرك . قال : فنهاهم أن يردونهنّ وأمرهم أن ترد الصدُقات ، حينئذ ، قال رجل للزهري : أمن أجل الفروج ؟ قال : نعم ، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأُخرى صفوان بن أمية ، ثمّ رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو نصير عتبة بن أسيد بن حارثة وهو مسلم ، وكان ممّن جلس بمكّة ، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف ، والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤي ، ومعه مولى لهم ، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابهما ، وقالا : العهد الذي جعلت لنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإنّ الله تعالى جاعل لك ، ولمن معك من المستضعفين فرَجاً ، ومخرجاً ) . ثمّ دفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو نصير لأحد الرجلين : والله إنّي لأرى سيفك هذا جيّداً ، فاستلّه الآخر ، فقال : أجل والله إنّه لجيد . قال : أرني أنظر إليه . فأخذه وعلا به أخا بني عامر حتّى قتله ، وفرّ المولى وخرج سريعاً حتّى أتى رسول الله ( عليه السلام ) ، وهو جالس في المسجد ، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعاً قال : ( إنّ هذا الرجل قد رأى فزعاً ) . فلمّا انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ويلك مالكَ ؟ ) قال : قَتل صاحبكم صاحبي . فوالله ما برح حتّى طلع أبو نصير متوشّحاً بالسيف ، حتّى وقف على رسول الله ، فقال : يا رسول الله وفت ذمّتك أسلمتني ورددتني وقيل : وذريتني إليهم ثمّ نجّاني الله منهم ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ( ويلُ أُمّه مستعر حرب لو كان معه رجال ) . فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم ، فخرج أبو نصير حتّى أتى سيف البحر ، ونزل بالغيّض من ناحية ذي المروة ، على ساحل البحر بطريق قريش ، الذي كانوا يأخذون إلى الشام