الثعلبي

20

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فلمّا رأى أبناء ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما ، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً ، يقال له : عداس . فقالا له : خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ، ففعل عداس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا وضع رسول الله يده ، قال : ( بسم الله ) . ثمّ أكل ، فنظر عداس إلى وجهه ، ثمّ قال : والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة . قال له رسول الله : ( ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ ) . قال : أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى . فقال له رسول الله : ( من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى ) . قال له : وما يدريك ما يونس بن متّى ؟ قال له رسول الله : ( ذاك أخي ، كان نبيّاً وأنا نبيّ ) . فأكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبّل رأسه ، ويديه ، ورجليه . قال : فيقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه ، أما غلامك فقد أفسده عليك . فلمّا جاءهم عداس ، قالا له : ويلك يا عداس ما لكَ تقبّل رأس هذا الرجل ، ويديه ، ورجليه ؟ قال : يا سيّدي ما في الأرض خيرٌ من هذا ، لقد خبّرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبي . فقال : ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك ، فإنّ دينك خيرٌ من دينه . ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حتّى يئس من خير ثقيف ، حتّى إذا كان بنخلة ، قام من جوف الليل يصلّي ، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن ، وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع ، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب . قال إبليس : إنّ هذا الذي حدث في السماء لشيء في الأرض ، فبعث سراياه لتعرف الخبر ، فكان أوّل بعث بُعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم ، فبعثهم إلى تهامة ، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي نخلة ، فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه يصلّي صلاة الغداة ، ببطن نخلة ويتلو القرآن ، فاستمعوا إليه ، وقالوا : أنصتوا . هذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر ، ورواية العوفي عن ابن عباس ، وقال آخرون : بل أُمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى ، ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله إليه نفراً من الجنّ من نينوى وجمعهم له ، فقال رسول الله : ( إنّي أُمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فأيّكم يتبعني ؟ ) فأطرقوا ثمّ استتبعهم فأطرقوا ، ثمّ استتبعهم الثالثة ، فاتبعه عبد الله بن مسعود ، قال عبد الله : ولم يحضر معه أحد غيري ، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له : شعب الحجون وخط إليَّ خطّاً ، ثمّ أمرني أن أجلس فيه . قال : ( لا تخرج منه حتّى أعود إليك ) . ثمّ انطلق حتّى قام وافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال