الثعلبي
294
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
الصخور ، وكأنّ صريف أسنانه أصوات الصواعق ، وكأنّ نظر عينيه لهب البرق ، وتمرّ به الجيوش وهو متكئ لا يفزعه شيء ، ليس فيه مفصل الحديد ، عنده مثل الطين ، والنحاس ، عنده مثل الخيوط لا يفزع من النشّاب ولا يحسّ وقع الصخور على جسده ، ويسير في الهواء كأنّه عصفور ، ويهلك كلّ شيء يمرّ به ، هل أنت آخذه بأُحبولتك أو واضع اللجام في شدقه ؟ هل تحصي عمره أم هل تعرف تقّوت رزقه أم هل تدري ماذا خرّب من الأرض ؟ وماذا يخرّب فيما بقي من عمره ؟ أتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك ؟ تبارك الله وتعالى . فقال أيّوب : قصرت عن هذا الأمر الذي يعرض علىّ ليت الأرض انشقّت فذهبت فيها ولم أتكلّم بشيء يسخط ربّي ، اجتمع علىّ البلاء إلهي فجعلتني مثل العدوّ ، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي ، وقد علمت أنّ كلّ الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من هذا ، ما شئت عملت ، لا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة ، من هذا الذي يظن أن يسرّ عنك سرّاً وأنت تعلم ما يخطر على القلوب ؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم ، وخفت حين بلوت أمرك أكثر ممّا كنت أخاف ، إنّما كنت أسمع بسطوتك سمعاً فأمّا الآن فهو نظر العين ، إنّما تكلمت حين تكلمت لتعذرني ، وسكتُّ حين سكتُّ لترحمني ، كلمة زلّت فلن أعود ، قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدّي ودسست فيه وجهي لِصَغاري ، وسكتُّ كما أسكتتني خطيئتي ، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني . فقال الله سبحانه : يا أيوب فقد نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي إذ خطئت فقد غفرت لك ، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ليكون لمن خلفك آية ، ويكون عبرة لأهل البلاء وغزاءً للصابرين فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، فيه شفاؤك ، وقرّب عن صحابتك قرباناً واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك . فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها ، فاغتسل فأذهب الله عنه كلّما كان به من البلاء ، ثمَّ خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالواله مترددة متحيّرة ثم قالت : يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا ؟ فقال لها : وهل تعرفينه إذا رأيته ؟ قالت : نعم ومالي لا أعرفه ؟ فتبسم وقال : أنا هو فعرفته بمضحكه فاعتنقته . قال ابن عباس : فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مرّ بهما كلّ مال لهما وولد ، فذلك قوله * ( وأيوب إذ نادى ربه ) * * ( أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ ) * ) . واختلف العلماء في وقت ندائه ، والسبب الذي قال : لأجله أنّي مسّني الضرّ وفي مدّة بلائه .