الثعلبي

194

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح ) . قيل : يا رسول الله صفهم لنا . قال : ( هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الأرز ) قيل : يا رسول الله ، وما الأُرز ؟ قال : ( شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومئة ذراع في السماء ، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع ، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأُخرى ، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلاّ أكلوه ومن مات منهم أكلوه . مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان ، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية ) . قال وهب بن منبه : كان ذو القرنين رجلاً من الروم ، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه الإسكندر ، فلمّا بلغ وكان عبداً صالحاً ، قال الله تعالى : ( يا ذا القرنين إني باعثك إلى أُمم الأرض ، وهي أُمم مختلفة ألسنتهم ، وهم جميع أهل الأرض ، ومنهم أُمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجّن والإنس ويأجوج ومأجوج . وأما اللتان بينهما طول الأرض ، فأُمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك ، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأُمّة في قطر الأرض الأيمن يُقال لها : هاويل ، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يُقال لها : تأويل ) . فلمّا قال الله تعالى له ذلك ، قال ذو القرنين . ( يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلاّ أنت ، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة اُكابرهم ؟ وبأي جمع وبأي حيلة أُكاثرهم ؟ وبأي صبر أُواسيهم ؟ وبأي لسان أُناطقهم ؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم ؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم ؟ وبأي بصر أنقدهم ؟ وبأي حجة أُخاصمهم ؟ وبأي عقل أعقل عنهم ؟ وبأي حكمة أُدبر أمرهم ؟ وبأي قسط أعدل بينهم ؟ وبأي حلم أُصابرهم ؟ وبأي معرفة أفصل بينهم ؟ وبأي علم أُتقن أُمورهم ؟ وبأي يد أسطو عليهم ؟ وبأي رجل أطؤهم ؟ وبأي طاقة أُحصيهم ؟ وبأي جند أُقاتلهم ؟ وبأي رفق أتألّفهم ؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم ، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نفساً إلاّ وسعها ، ولا تحملها إلاّ طاقتها ، ولا تشقيها بل أنت ترحمها ) . قال الله تعالى : ( إنّي سأُطوقك ما حمّلتك : أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء ، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء ، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء ، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء ، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء ، وأُحصي لك فلا يفوتك شيء ، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء ، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء ، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء ، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء ، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء ، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كل شيء ، وأُلبسك الهيبة فلا يروعك