الثعلبي

231

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

ثمّ أجلسه على سريره ، وقال له : إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاهاً ، فقال له يوسف : نعم ، أيّها الملك ، رأيت سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان ، كشف لك عنهنّ النيل وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبناً ، فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجّب من حسنهنّ إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبساً ، فخرج من حمأته ووحله سبع بقرات عجاف شُعث غُبر مقلّصات البطون ، ليس لهُنّ ضروع ولا أخلاف ، ولهنّ أنياب وأضراس وأكفّ كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع ، فاختلطن بالسمان فافترسنهنّ افتراس السبع ، فأكلن لحومهنّ ومزّقنَ جلودهنّ وحطّمن عظامهنّ وتشمشن مخّهنّ . فبينا أنت تنظر وتتعجّب وإذا بسبع سنابل خضر وسبع أُخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء ، فبينا أنتَ تقول في نفسك : أنّى هذا ؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد ، وأصولهنّ في الماء إذ هبّت ريح فذرّت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهنّ النار فاحرقتهنّ وصرنَ سوداً متغيّرات . فهذا آخر ما رأيت من الدنيا ثمّ انتبهت من نومك مذعوراً ، فقال الملك : والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجباً بأعجب ممّا سمعته منك ، فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق ؟ فقال يوسف : أرى أن تجمع الطعام ، وتزرع الزرع الكثير في هذه السنين المخصبة وتبني ( الأهواء ) والخزائن ، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله ليكون قصبه وسنبله علفاً للدواب ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، وتأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك ، فقال الملك : ومن لي بهذا ومن يجمعه و ( يبيعه ) ويكفي الشغل فيه ؟ فقال : يوسف " * ( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنُ الأرْضِ ) * ) مجاز الآية : على خزائنّ أرضك وهي جمع الخزانة فدخلت الألف واللام خلفاً من الإضافة ، كقول النابغة : والأحلام غيرُ كواذب . " * ( إنّي حَفِيْظٌ عَلِيْمٌ ) * ) : كاتب حاسب ، قتادة : حفيظ لما وليت ، علهم بأمره ، ابن إسحاق : حفيظ لما استودعتني ، عليمٌ بما وليّتني ، شيبة الضبي : حفيظ لما استودعتني وعليمٌ بسنيّ المجاعة ، الأعشى : حافظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة من سألني ، الكلبي : حفيظ التقدير في هذه السنين الجدبة ، عليمٌ بوقت الجوع متى يقع ، وقيل : حفيظ لما وصل إليّ عليم بحسابة المال ، فقال له الملك : ومَن أحقّ به منك ؟ فولاّه ذلك ، وَقَالَ لَهُ : " * ( إنَّكَ اليَوْمَ لدَيْنا مَكِيْنٌ أمِيْنٌ ) * ) ذو مكانة ومنزلة ، أمين على الخزائن ، روى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس أنّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنّه أخّر ذلك سنة فأقام عنده في بيته سنة مع الملك