الثعلبي

149

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فما اختلفوا في محمد حتى جاءهم المعلوم وهو كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه . " * ( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * ) من الدين . " * ( فإن كنت في شك ممّا أنزلنا إليك ) * ) ، الآية ، وقد أكثر العلماء في تفسير معنى الآية ، قال مقاتل : قالت كفار مكة : إنما ألقى هذا الوحي على لسان محمد شيطان ، فأنزل الله تعالى : " * ( فإن كنت في شك ممّا أنزلنا إليك ) * ) يعني القرآن . " * ( فسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ) * ) يخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة رسولا نبياً . وقيل : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الشاكّين به ، كما ذهب العرب في خطابهم الرجل بالشيء ويريدون به غيره ، كقوله تعالى : " * ( يا أيها النبي اتق الله ) * ) كأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون ، ويدلّ عليه قوله تعالى : " * ( إن الله كان بما تعملون خبيراً ) * ) ولم يقل : تعمل . قال المفسرون : كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا بالله بلسانهم ، ومنهم كافر مكذّب لا يرى إلاّ أن ما جاء به باطل ، أو شاكّ في الأمر لا يدري كيف هو يقدّم رجلا ويؤخِّر أخرى ، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال : " * ( إن كنت ) * ) أيها الإنسان " * ( في شك مما أنزلنا إليك ) * ) من الهدى على لسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . " * ( فسأل ) * ) الأكابر من علماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلاّم ، وسلمان الفارسي ، وتميم الداري وأشباههم فيشهدوا على صدقه ، ولم يرد المعاندين منهم . وقيل : إنْ بمعنى ( ما ) ، وتقديره : فما كنت في شك مما أنزلنا إليك ، فاسألوا يا معاشر الناس أنتم دون النبي . كما قال : " * ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) * ) بمعنى وما كان مكرهم . وقيل : إنّ الله علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشكّ ولكنّه أراد أن يأخذ الرسول بقوله لا أشك ولا ( أماري ) إدامةً للحجة على الشاكّين من قومه كما يقول لعيسى : " * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ) وهو يعلم أنه لم يقل ذلك ، بدليل قوله : " * ( سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ ) * ) إدامة للحجة على النصارى . وقال الفرّاء : علم الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير شاكّ ، فقال له : فإن كنتَ في شكّ ، وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك في ملكك إياه : إن كنت عبدي فأطعني ، أو تقول لابنك : إن كنت ابني فبرّني .