الثعلبي
8
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
" * ( من النّاس ما ولاهم ) * ) صرفهم وحوّلهم . " * ( عن قبلتهم التي كانوا عليها ) * ) من بيت المقدس . نزلت في اليهود ومشركي العرب بمكّة ومنافقي المدينة طعنوا في تحويل القبلة وقال مشركوا مكّة : قد تردّد على محمّد أمره واشتاق إلى مولده ومولد آباءه قد توجّه نحو قبلتكم وهو راجع إلى دينكم عاجلاً . قال الله " * ( قل لله المشرق والمغرب ) * ) ملكاً والخلق عبيدهُ يحولهم كيف شاء . " * ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) * ) * * ( وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً ) * ) عدلاً خياراً . تقول العرب : إنزل وسط الوادي : أي تخيّر موضعاً فيه ، ويُقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسط قريش نسباً أي خيرهم : قال الله تعالى " * ( وقال أوسطهم ) * ) ، أي أخيرهم وأعدلهم ، وأصله هو أنّ خير الأشياء أوسطها . قال زهير : هم وسط ترضى الأنام لحكمهم إذا نزلت احدى الليالي بمعظم وقال الكلبي : يعني متوسطة أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنّهما مذمومان في الدّين . قال ثعلب : يُقال : جلس وسط القوم ووسط الدّار ، وكذلك فيما يُحتمل البينونة ( واحتمل وسطاً له ) بالفتح وكذلك فيما لا يحتمل البينونة . نزلت هذه الآية في مرحب وربيع وأصحابهما من رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل : ما ترك محمّد قبلتنا إلاّ حسدا ، وإنّ قبلتنا قبلة الأنبياء ، ولقد علم محمّد إنّا عدل بين النّاس . فقال معاذ : إنّا على حق وعدل . فأنزل الله " * ( وكذلك ) * ) أي وهكذا ، وقيل الكاف فيه للتشبيه تقديره : وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم كذلك جعلناكم أُمّة وسطاً . مردودة على قوله " * ( ولقد اصطفيناه في الدنياً ) * ) الآية . " * ( لتكونوا شهداء على النّاس ) * ) يوم القيامة أنّ الرُّسل قد أبلغتهم . " * ( ويكون الرّسول ) * ) محمّد صلى الله عليه وسلم " * ( عليكم شهيداً ) * ) معدلاً مزكيّاً لكم ؛ وذلك إنّ الله تعالى جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسمعهم الدّاعي ، وينقذهم البصر ثمّ يقول كفّار الأُمم . ألم يأتكم نذير فتشكرون ، ويقولون : ما جاءنا من نذير . فيُسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون : قد كذّبوا ، قد بلغناهم وأُعذرنا إليهم : فيسألهم البينّة ، وهو أعلم بإقامة الحجة . فيُوتى بأمّة محمّد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم . إنّهم قد بلغوا فتقول الأُمم الماضية : من أين علموا بذلك وبيننا وبينهم مدة مريدة