الثعلبي

42

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وتدبّره فيما أُمر به ونُهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب ، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم . فيقولون . فلان يخافك كخوف الأسد : أي كخوفه الأسد . ويقولون : أعرض الحوض على النّاقة ، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض . قال الله عزّ وجلّ " * ( إنّ مفاتحه لتنوأُ بالعصبة أولي القوّة ) * ) وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح ، وقال الشاعر : وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي على وعِل في ذي المطارة عاقل والمعنى : حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي ، وقال الآخر : كانت فريضة ما تقول كما إنّ الزنّى فريضة الرّجم والمعنى : كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا ، وأنشد الفراء : إن سّراجاً لكريم مفخره تُجلى به العين إذا ما تجمره والمعنى : يحلى بالعين ، ونظائره كثيرة . وعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء ، وقال بعضهم : معنى الآية : ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم ، كمثل الرُّعاة يكلمون البهم ، والبهم لا تعقل عنهم ، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير ، وقال بعضهم : معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه ؛ فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دُعاء ونداء ، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلاّ العناء والبلاء ، ولا ينتفع منها بشيء ، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام " * ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) * ) . فهذا وجه صحيح . وأمّا الوجه الآخر ، فقال قوم : معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له : الصدى يجيبه ولا ينفعه . فيكون تأويل الآية على هذا القول ، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع منه إلاّ دعاء ونداء . ثمّ قال " * ( صمُّ ) * ) أي هم صمُّ ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم . قال الشاعر : أصم عما يساء سميع