الثعلبي
299
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
الحق أميناً عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئاً لثقته وحسن ظنّه " * ( فليؤدّ الذي أُؤتمن ) * ) . أفتعل من الأمانة ، وهي الثقة كتبت همزتها واواً لاضمام ما قبلها " * ( أمانته وليتق الله ربّه ) * ) . في أداء الحق . ثم رجع إلى خطاب الشهود فقال : " * ( ولا تكتموا الشهادة ) * ) . إذا دُعيتم إلى إقامتها ، وقرأ السلمي : ولا يكتموا بالياء ومثله يعملون . ثم ذكر وعيد كتمان الشهادة فقال عزّ مَنْ قائل : " * ( ومَنْ يكتمها فإنّه آثم قلبه ) * ) . فاجر قلبه وهو ابتداء وخبر . وقرأ إبراهيم بن أبي عيلة : فإنّه أثم قلبه على وزن أفعل أي جعل قلبه أثماً . " * ( والله بما تعملون عليم ) * ) . من بيان الشهادة وكتمانها . روى مكحول عن أبي بردة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ كتم الشهادة إذا دُعي ، كان كمن شهد بالزور ) . " * ( لله ما في السماوات وما في الأرض ) * ) . الآية . اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال قوم : هي خاصة . ثم اختلفوا في وجه خصوصهاً ، فقال بعضهم : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها يعني : " * ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) * ) . أيّها الشهود من كتمان الشهادة " * ( أو تخفوه ) * ) . الكتمان " * ( يُحاسبكم به الله ) * ) . وهو قول الشعبي وعكرمة ورواية مجاهد ومقسم عن ابن عباس ، يدلّ عليه قوله فيما قبله : " * ( ولا تكتموا الشهادة ) * ) . وقال بعضهم : نزلت هذه الآية فيمن يتولّى الكافرين من المؤمنين . يعني : وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفّار أو تستروه يُحاسبكم الله . وهو قول مقاتل والواقدي . يدلّ عليه قوله في آل عمران : * ( * ( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ) * ) . من ولاية الكفّار " * ( يعلمه الله ) * ) ) يدلّ عليه ما قبله . وقال آخرون : هذه الآية عامّة . ثم اختلفوا في وجه عمومها ، فقال بعضهم : هي منسوخة . روت الرواية بألفاظ مختلفة . قال : لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا : يا رسول الله والله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية وإنّا لا نسر أن يكون لأحدنا الدنيا وما فيها وإنّا لمأخوذون ما نحدّث به أنفسنا هلكنا والله ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ( هكذا نزلت ) . قالوا : هكلنا وكُلّفنا من العمل ما لا نطيق . قال : ( فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام سمعنا وعصينا ، بل قولوا : سمعنا وأطعنا ) .