الثعلبي

275

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

" * ( ولكن الله يهدي مَنْ يشاء ) * ) وأراد بالهدى : التوفيق والتعريف ؛ لأنّه كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم هدى البيان والدعوة . وعن عمر بن عبد العزيز قال : بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال : ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شاباً ثم ضيّعناك اليوم ، فأمر أن تجرى علية قوته من بيت المال . " * ( وما تُنفقوا من خير فلأنفسكم ) * ) شرط وجزاء ، والخير هاهنا المال " * ( وما تنفقوا من خير ) * ) شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها ( في الموضعين ) . " * ( يوفّ إليكم ) * ) جزاؤه ، كأن معناه : يؤدّى إليكم ، فكذلك أدخل إلى " * ( وأنتم لا تُظلمون ) * ) لا تُظلمون من ثواب أعمالكم شيئاً . وأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع ، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي ، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلاّ للمسلمين ، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة ، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات ، فقال الله تعالى : " * ( للفقراء ) * ) واختلف العلماء في موضع هذا اللام ، فقال بعضهم : هو مردود على موضع اللام من قوله " * ( فلأنفسكم ) * ) كأنّه قال : وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تُنفقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم ، فلمّا اعترض الكلام قوله " * ( لأنفسكم ) * ) وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها ، تركت أعادتها في قوله للفقراء إذ كان معنى الكلام مفهوما . وقال بعضهم : خبر محذوف تقديره : للفقراء " * ( الذين ) * ) صفتهم كذا ، حق واجب ، وهم فقراء المهاجرين وكانوا نحواً من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار ( . . . ) وكانوا يخرجون في كل سريه يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فخرج ) يوماً على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبَّت قلوبهم فقال : ( أبشروا يا أصحاب الصفّة ، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنّهم من رفقائي ) . وروي إنّ عمر بن الخطاب ح أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيباً حزيناً فقالت له امرأته : حدث أمر ، قال : أشدّ من ذلك ، ثم قال : أريني درعَكِ الخلق فشقّه وجعله صُرراً ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة ، فلما أصبح قام بالطريق فجعل ( ينفق كل ) صرّة حتى أتى