الثعلبي
203
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك ، فلمّا خرجوا قال لهم الله : موتوا ، عقوبة لهم ، فماتوا جميعاً ، وماتت دوابهم كموت رجل واحد ، فأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروّحت أجسادهم ، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها . واختلفوا في مبلغ عددهم ، فقال عطاء الخراساني : كانوا ثلاثة آلاف ، ابن عباس ووهب : أربعة آلاف ، مقاتل والكلبي : ثمانية آلاف ، أبو روق : عشرة آلاف ، أبو مالك : ثلاثون ألفاً ، الواقدي بضعة ومائتين ألفاً ، ابن جريج : أربعين ألفاً ، عطاء بن أبي رياح : سبعين ألفاً ، الضحّاك : كانوا عدداً كبيراً ، وأَولى الأقاويل بالصواب قول من قال : زادوا على عشرة آلاف ، وذلك أنّ الله تعالى قال " * ( وهم ألوف ) * ) وما دون العشرة لا يقال ألوف ، إنّما يقال : ثلاثة آلاف فصاعداً إلى عشرة آلاف ، فمن الألوف جمع الكثير وجمعه القليل آلاف ، مثل يوم وأيام ، ووقت وأوقات ، وألف على وزن أفعل . ( وقيل : ) كانوا ثلاثة آلاف ( وكيسة ) اليمان أعجمي من بني الفداحم . قالوا : فأتى على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم وتقطّعت أوصالهم ، فمرّ عليهم نبي يقال له حزقيل بن بوري ثارم أحد خلفاء بني إسرائيل بعد موسى ج ، وذلك بأنّ القيّم بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى ج يوشع بن نون ، ثم كالب بن يوفنا ، ثم حزقيل ، وكان يقال له ابن العجوز وذلك أنّ أمه كانت عجوزاً فسألت الله تعالى الولد ، وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فلذلك قيل له : ابن العجوز . قال الحسن ومقاتل : هو ذو الكفل لأنّه تكفل سبعين نبيّاً وأنجاهم من القتل ، وقال لهم : اذهبوا فإني إنْ قُتلت كان خيراً من أن تقتلوا جميعاً ، فلمّا جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين ، قال : إنهم ذهبوا ولا أدري أين هم ، ومنع الله ذا الكفل من اليهود ، فلمّا مرّ حزقيل على أُولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجباً منهم ، فأوحى الله إليه : يا حزقيل تريد أن أريك آية ، فأريك كيف أحيي الموتى ؟ قال : نعم ، فأحياهم الله . هذا قول السدي وجماعة من المفسّرين . وقال هلال بن يساف وجماعة من العلماء : بل دعا حزقيل ربّه أن يحييهم ، فقال : ياربّ لو شئت أحييت هؤلاء فعمّروا بلادك وعبدوك ، فقال الله : أتحب أن أفعل ؟ قال : نعم ، فأحياهم . وقال عطاء ومقاتل والكلبي : بل هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام ، وذلك أنّهم لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى وبكى وقال : ياربّ كنت في