الثعلبي
195
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
تعالى : " * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ) أي خياراً وعدلا ، وقال تعالى : " * ( قال أوسطهم ) * ) أي خيرهم وأفضلهم ، وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : يا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم وأكرم الناس أُمّاً برّة وأبا واختلف العلماء في الوسطى وأي صلاة هي ، فقال سعيد بن المسيب : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هكذا في الاختلاف ، وشبّك من أصابعه ، فقال قوم : هي صلاة الفجر ، وهو قول معاذ وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة والربيع ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهاد ، وعن موسى بن وهب قال : سمعت أبا أمامة وقد سئل عن الصلاة الوسطى قال : لا أحسبها إلاّ صلاة الصبح . معمر بن طاوس عن أبيه وإسماعيل بن شروس عن عكرمة قالا : هي الصبح يعني الصلاة الوسطى ، وهو اختيار الإمام أبي عبد الله الشافعي ، يدلّ عليه ما روى الربيع عن أبي العالية أنه صلّى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ، فلمّا أن فرغوا قال : قلت لهم : أيّتهنّ الصلاة الوسطى ؟ قالوا : التي صلّيتها ، قيل : ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : هي صلاة الصبح ، وسّطت فكانت بين الليل والنهار ، يصلّى في سواد من الليل وبياض من النهار ، وهي أكبر الصلوات تفوت الناس ، ولأنها لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها ، ولأنها بين صلاتين تجمعان ، وتصديق هذا التأويل من التنزيل دالا على التخصيص والتفضيل قوله تعالى " * ( وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً ) * ) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار ، ودليل آخر من سياق الآية وهو أنه عقبها بقوله " * ( وقوموا لله قانتين ) * ) يعني وقوموا لله فيها قانتين ، قالوا : ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت سوى صلاة الفجر فعلم أنها هي ، وفيه دليل على ثبوت القنوت . وقال أبو رجاء العطاردي : صلّى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة ، فقنت بنا قبل الركوع ورفع يديه ، فلمّا فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أُمرنا أن نقوم فيها قانتين ، والدليل عليه ما روى حنظلة عن أنس قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً وقال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا . ابن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، وأبو بكر حتى مات ، وعمر حتى مات ، وعثمان حتى مات ، وعلي حتى مات ، وقال آخرون : هي صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة . روى عروة عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على