الثعلبي
181
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
لأنّ العرب تقول : أقام فلان مقام كذا حولين أو شهرين وإنما أقام حولا وبعض آخر ، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يوماً وبعض آخر ، ومنه قوله " * ( فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ) * ) ومعلوم أنه يتعجل أو يتأخر في يوم ونصف ، ومثلها كثير ، فبيّن الله أنهما حولان كاملان أربعة وعشرين شهراً من يوم ولد إلى أن يُفطم . واختلف العلماء في هذا الحدّ أهو حدّ لكل مولود أو حدّ لبعض دون بعض ؟ فروى عكرمة عن ابن عباس : إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين ، أربعة وعشرين شهراً ، وإذا وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً ، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهراً ، كل ذلك تمام ثلاثين شهراً ، قال الله تعالى : " * ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) * ) . وقال قوم : هو حدّ لكل مولود في وقت وأن لا ينقص من حولين ولا يزيد إلاّ أن يشاء الزيادة ؛ فإن أراد الأب يفطمه قبل الحولين ولم ترضَ الأُم فليس له ذلك ، وإذا قالت الأُم : أنا أفطمه قبل الحولين ، وقال الأب : لا ، فليس لها أن تفطمه حتى يتفقا جميعاً على الرضا ، فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه وإن اختلفا لم يفطماه قبل الحولين ، وذلك قوله " * ( عن تراض منهما ) * ) ويشاور هذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس . وقال آخرون : المراد بهذه الآية الدلالة على الرضاع ما كان في الحولين ، فإنّ ما بعد الحولين من الرضاع يحرم ، وهو قول علي وعبد الله وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري ، وفي الحديث : لا رضاع بعد الحولين ، وإنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم . وقال قتادة والربيع : فرض الله عزّ وجل على الوالدات أن يرضعن أولادهنّ حولين كاملين ثم أنزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك فقال : " * ( لمن أراد أن يتمّ الرضاعة ) * ) أي هذا منتهى الرضاع ، وليس فيما دون ذلك وقت محدود ، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به ، وقرأ أبو رجاء " * ( لمن أراد أن يتمّ الرضاعة ) * ) بكسر الراء ، قال الخليل والفرّاء : هما لغتان ، مثل الوِكالة والوَكالة والدِّلالة . وقرأ مجاهد وابن محجن ( لمن أراد أن يتم الرضعة ) وهي فعلة كالمرّة الواحدة ، وقرأ عكرمة وحميد وعون العقيلي ( لمن أراد أن تتم الرضاعة ) بتاء مفتوحة ورفع الرضاعة على أن الفعل لها ، وقرأ ابن عباس ( يكمل الرضاعة ) . " * ( وعلى المولولد له ) * ) يعني الأب " * ( رزقهنّ ) * ) طعامهنّ وقوتهنّ " * ( وكسوتهنّ ) * ) لباسهنّ ، وقرأ طلحة عن مصرف " * ( كسوتهن ) * ) بضم الكاف ، وهما لغتان مثل أُسوه وإسوة ورشوه ورشوة " * ( بالمعروف ) * ) علم الله تفاوت أحوال خلقه في الغنى والفقر ، فقال " * ( بالمعروف ) * ) أي على قدر الميسرة جعل الرضاعة على الأم والنفقة على الأب " * ( لا تُكَلَّف نفسٌ إلاّ وسعها ) * ) والتكليف