الثعلبي

140

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ، ودفعتُ العير والأسيرين فأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فعظم ذلك على أصحاب السريّة وظنّوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا : يا رسول الله إنّا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أمسينا أم في جمادى ، وأكثر الناس في ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس ، فكان أول خمس في الاسلام ، وقسّم الباقي بين أصحاب السريّة ، فكان أول غنيمة في الاسلام ، وبعث أهل مكة في فداء أسيرهم فقال : بل نوقفهم حتى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما ، فلمّا قدما فداهم . وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقُتل يوم بئر معونة شهيداً ، وأمّا عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة ومات فيها كافراً ، وأمّا نوفل فضَرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين ، فوقع في الخندق مع فرسه فتحطّما جميعاً ، وقتله الله وحجب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خذوه فإنّه خبيث الجيفة خبيث الدية ) فهذا سبب نزول قوله : " * ( يسألونك عن الشهر الحرام ) * ) يعني توخياً ، سُمّي بذلك لتحريم القتال فيه لعظم حرمته ، وكذلك كان يسمّى في الجاهلية ، تنزع الأسنّة وتفصل الالّ ، لأنهم كانوا ينزعون الأسنّة والنصال عند دخول رجب انطواءً على ترك القتال فيه ، وكان يدعى الأصمّ لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه ، كما قيل : ليل نائم ، وسرٌّ كاتم . يدلّ عليه ما روى عطاء عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن رجب شهر الله ويدعى الأصمّ ، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها ، وكان الناس يأمنون ويأمن السبيل فلا يخاف بعضهم بعضاً حتى ينقضي ) . " * ( قتال فيه ) * ) خفضه على تكرير ( عن ) ، تقديره : وهل قتال فيه وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود والربيع بن أنس " * ( قل ) * ) يا محمد " * ( قتال فيه كبير ) * ) عظيم ثم ( كلام ) ثم قتال " * ( وصدّ عن سبيل الله ) * ) منع عن سبيل الله على الابتداء وخبره أكبر ، وذلك حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت " * ( وكفر به ) * ) أي بالله " * ( والمسجد الحرام ) * ) أي وبالمسجد " * ( وإخراج أهله ) * ) أي أهل المسجد " * ( منه أكبر ) * ) وأعظم وزراً وعقوبة " * ( عند الله والفتنة ) * ) أي الشرك أكبر من القتل ، يعني قتل ابن الحضرمي فلمّا نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكّة : إذا عيّركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيرّوهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكّة ومنعهم عن البيت .