ابن عربي
86
تفسير ابن عربي
بالحقيقة ، التاركون المجردون . ثم لما بين الزهد الحقيقي والتجريد قرن به العبادة الحقيقية والتحقيق بقوله : * ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ) * أي : كوشفوا المعارف والحقائق وتجليات الصفات والمشاهدات * ( لم يخروا ) * على العلم بتلك الآيات من المعارف والحقائق * ( صما ) * بل تلقوها بآذان واعية هي آذان القلوب لا النفوس ، وعلى مشاهدتها * ( و ) * تجليها * ( عميانا ) * بل أحدقوا نحوها ببصائر جديدة مكحلة بنور الهداية . تفسير سورة الفرقان من [ آية 74 - 77 ] ثم وصف طلبهم للترقي عن مقام القلب إلى مرتبة السابقين والاستعانة بالله عن تلوين النفس وصفاتها لينخرطوا في سلك المقربين بقوله : * ( والذين يقولون ربنا هب لنا من ) * أزواج نفوسنا وذريات قوانا ما تقر به أعيننا من طاعاتهم وانقيادهم خاضعين ، وتنورهم بنور القلب مخبتين غير طالبين للاستعلاء والترفع والاستكبار والتجبر * ( واجعلنا للمتقين ) * أي : المجردين * ( إماما ) * بالوصول إلى مقام السابقين * ( أولئك يجزون ) * غرفة الفردوس وجنة الروح بصبرهم مع الله وفي الله عن غيره * ( ويلقون فيها تحية ) * خلود حياة * ( وسلاما ) * سلامة وبراءة عن الآفات ، أي : يحييهم الله بإبقائهم سرمدا ببقائه ويسلمهم بإيتائهم كماله كما قيل : * ( تحيتهم يوم يلقونه سلم ) * [ الأحزاب ، الآية : 44 ] ، وقال : * ( تحيتهم فيها سلم ) * [ إبراهيم ، الآية : 23 ] . * ( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) * أي : لو لم يكن طلبكم لله وإرادتكم لكنتم شيئا غير ملتفت إليه ولا معبوء به كالحشرات والهوام ، فإن الإنسان إنما يكون إنسانا وشيئا معتدا به إذا كان من أصحاب الإرادة والطلب ، والله تعالى أعلم .