العلامة المجلسي

327

بحار الأنوار

يدركونها إلى ذاته تعالى بوجه وإلا يلزم أن يكون الخلق عابدين للأسماء والصفات لا لله تعالى ، لان صفاته وأسماءه المدركة غيره تعالى ، فهذه الصفات المدركة وإن كانت مخالفة بالحقيقة له تعالى لكنها آلة لملاحظته ووسيلة للانتقال إليه وتوجه العبادة نحوه . والمعلمة : محل العلم والادراك من القوى والمشاعر ، ويمكن أن يقرأ على صيغة اسم الفاعل . قوله : ( لمعناه ) الضمير راجع إلى الخلق ، أي لقصد الخلق إليه ، أو إلى الله فيكون بدلا من الضمير ، والأظهر : ( لا تدرك معناه ) . قوله : ( إن الله جل وتقدس موجود في الآخرة ) مأخوذ من الوجدان ، أي يعرفونه ويجدونه بالبصر ، واستدل ( عليه السلام ) على ذلك بأنه لو كان إدراكه بالبصر نقصا له كما هو الواقع لم يدرك في الآخرة أيضا به ، ولو كان كمالا له لكان مبصرا في الدنيا أيضا . قوله : ( عن الحقائق الموجودة ) أي المدركة . قوله : ( على ما هناك ) أي ما عند الله تعالى من صفاته إلا بما ههنا أي لا يمكن الاستبداد في معرفته تعالى بالعقل ، بل لابد من الرجوع في ذلك إلى ما أوحى إلى أنبيائه ( عليهم السلام ) ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ( هناك ) الآخرة ، وبقوله : ( ههنا ) الدنيا ، أي إنما يقاس أحوال الآخرة بالدنيا ، فكيف يجوز رؤيته تعالى في الآخرة مع استحالته في الدنيا ، والأول أظهر كما يدل عليه ما بعده . قوله ( عليه السلام ) : ( بل خلق ساكن ) أي نسبة وإضافة بين العلة والمعلول ، فكأنه ساكن فيهما ، أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته . وقوله : ( لا يدرك بالسكون ) أي أمر اعتباري إضافي ينتزعه العقل ولا يشار إليه في الخارج ، وإنما قلنا : إنه خلق لأن هذه النسبة والتأثير غيره تعالى ، وهو محدث ، وكل محدث معلول ، فلا تتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر ، وهكذا حتى يتسلسل ، بل ليس في الحقيقة إلا الرب ومخلوقه الذي أوجده ، والايجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى ، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن الله خلقه ، فهذا هو معنى الابداع لاغير ، وهذا المعنى يقع عليه حد ، وكل ما يقع عليه حد فهو خلق الله .