العلامة المجلسي
316
بحار الأنوار
قوله عز وجل : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) يعني أعمى عن الحقائق الموجودة ، وقد علم ذو والألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا ، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا ، لان الله عز وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون . قال عمران : يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟ قال له الرضا ( عليه السلام ) : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون ، وإنما صار خلقا لأنه شئ محدث ، والله الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ، ولا ثالث غيرهما ، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه ، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها ، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل ، واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس ، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله . واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين : التقدير والمقدر ، وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر ، وجعلهما مدركين بنفسهما ، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده ، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه ، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته ، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا ، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا ، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه ( 1 ) والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . قال عمران : يا سيدي اشهد أنه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسالة ، قال :
--> ( 1 ) أي وقعوا فيه ولم يكد يتخلصوا منه . وفى نسخه : ارتكبوا فيه .