العلامة المجلسي
183
بحار الأنوار
فلم ينفعه ، ومات فعجز عن رده ، ( 1 ) إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه سويا يقدر أن يدفع عنه الفساد . قال : فما تقول في علم النجوم ؟ قال : هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته لأنه لا يدفع به المقدور ، ولا يتقى به المحذور ، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء ، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله ، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه ، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه . ( 2 ) قال : فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه ؟ قال : بل الرسول أفضل . قال : فما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم ، والله عالم السر وما هو أخفى ؟ قال : استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه ، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة ، وعن معصيته أشد انقباضا ، وكم من عبد يهم بمعصية فيذكر مكانها فارعوى ( 3 ) وكف ، فيقول : ربي يراني وحفظتي علي بذلك تشهد ، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنه مردة الشياطين ، وهوام الأرض ، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ أمر الله عز وجل . قال : فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب ؟ قال : خلقهم للرحمة وكان في علمه قبل خلقه إياهم أن قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الرديئة وجحدهم به ؟ . قال : يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره ، فبم يعذب من وحده وعرفه ؟ قال : يعذب المنكر لإلهيته عذاب الأبد ، ويعذب المقربه عذابا عقوبة ( 4 ) لمعصيته إياه فيما فرض عليه ، ثم يخرج ولا يظلم ربك أحدا . قال : فبين الكفر والايمان منزلة ؟ ( 5 ) قال : لا . قال : فما الايمان وما الكفر ؟
--> ( 1 ) في المصدر : ولكنه إن مرض فلم ينفعه ، وإن مات فعجز عن رده . ( 2 ) وقد تقدم احتجاجه ( عليه السلام ) على بطلان أن الكواكب مؤثرات في العالم وأنها فاعلة مختارة في حديث الإهليلجية راجع ج 3 ص 171 - 180 . ( 3 ) ارعوى من المعصية أي كف عنه ورجع . ( 4 ) في نسخة : ويعذب المقر به عذاب عقوبة . ( 5 ) قد زعم واصل بن عطاء الغزال شيخ المعتزلة أن بين الكفر والايمان منزلة وهي الفسق ، فصاحب الكبيرة لا يكون مؤمنا مطلقا ، ولا كافرا مطلقا ، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر ، وذلك أن الايمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمنا وهو اسم مدح والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح لا يسمى مؤمنا ، وليس هو بكافر مطلق أيضا ، لان الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لاوجه لانكارها ، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالدا فيها ، إذ ليس في الآخرة الا الفريقان : فريق في الجنة وفريق في السعير ، لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار . وأكثر الأمة على خلافه يقولون : ان صاحب الكبيرة من أمة الاسلام مؤمن لاعتقاده بالرسل وبما جاؤوا به ، ولكنه فاسق بكبيرته ، وفسقه لا ينفى عنه الايمان والاسلام .