العلامة المجلسي
102
بحار الأنوار
أن مدار التكاليف والكمالات والترقيات على العقل ، ويحتمل أن يكون المراد بالاستنطاق جعله قابلا لان يدرك به العلوم ، ويكون الامر بالاقبال والادبار أمرا تكوينيا ، يجعله قابلا لكونه وسيلة لتحصيل الدنيا والآخرة ، والسعادة والشقاوة معا وآلة للاستعمال في تعرف حقائق الأمور ، والتفكر في دقائق الحيل أيضا . وفي بعض الأخبار بك آمر ، وبك أنهى ، وبك أعاقب ، وبك أثيب . وهو منطبق على هذا المعنى لان أقل درجاته مناط صحة أصل التكليف ، وكل درجة من درجاته مناط صحة بعض التكاليف ، وفي بعض الأخبار " إياك " مكان بك في كل المواضع ، وفي بعضها في بعضها ، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به فكأنه هو المكلف حقيقة . وما في بعض الأخبار من أنه أول خلق من الروحانيين ، فيحتمل أن يكون المراد أول مقدر من الصفات المتعلقة بالروح ، أو أول غريزة يطبع عليها النفس وتودع فيها ، أو يكون أوليته باعتبار أولية ما يتعلق به من النفوس ، وأما إذا احتملت على المعنى الخامس فيحتمل أن يكون أيضا على التمثيل كما مر . وكونها مخلوقة ظاهر ، وكونها أول مخلوق إما باعتبار أن النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة ، فيحتمل أن يكون خلق الأرواح مقدما على خلق جميع المخلوقات غيرها لكن " خبر أول ما خلق الله العقل " ما وجدته في الأخبار المعتبرة ، وإنما هو مأخوذ من أخبار العامة ، وظاهر أكثر أخبارنا أن أول المخلوقات الماء أو الهواء كما سيأتي في كتاب السماء والعالم نعم ورد في أخبارنا : أن العقل أول خلق من الروحانيين ، وهو لا ينافي تقدم خلق بعض الأجسام على خلقه ، وحينئذ فالمراد بإقبالها بناءا على ما ذهب إليه جماعة من تجرد النفس إقبالها إلى عالم المجردات ، وبإدبارها تعلقها بالبدن والماديات ، أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية ، والدرجات الرفيعة ، وبإدبارها هبوطها عن تلك المقامات ، وتوجهها إلى تحصيل الأمور الدنية الدنيوية ، وتشبهها بالبهائم والحيوانات ، فعلى ما ذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أن لها هذه الاستعدادات المختلفة ، وهذه الشؤون المتباعدة وان لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق حقيقيا ، وأن يكون كناية عن جعلها مدركة للكليات ، وكذا الامر بالاقبال والادبار