أبي حيان الأندلسي
25
تفسير البحر المحيط
ٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاْنْفُسُ وَتَلَذُّ الاْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ ) * . لما ذكر تعالى طرفاً من قصة موسى عليه السلام ، ذكر طرفاً من قصة عيسى عليه السلام . وعن ابن عباس وغيره : لما نزل * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ ) * ، ونزل كيف خلق من غير فحل ، قالت قريش : ما أراد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده ، كما عبدت النصارى عيسى ، فهذا كان صدودهم من ضربه مثلاً . وقيل : ضرب المثل بعيسى ، هو ما جرى بين الزبعري وبين الرسول عليه الصلاة والسلام في القصة المحكية في قوله : * ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ) * . وقد ذكرت في سورة الأنبياء في آخرها أن ابن الزبعري قال : فإذا كان هؤلاء أي عيسى وأمه وعزير في النار ، فقد وصفنا أن نكون نحن وآلهتنا معهم . وقيل : المثل هو أن الكفار لما سمعوا أن النصارى تعبد عيسى قالوا : آلهتنا خير من عيسى ، قال ذلك منهم من كان يعبد الملائكة . وضرب مبني للمفعول ، فاحتمل أن يكون الفاعل ابن الزبعري ، إن صحت قصته ، وأن يكون الكفار . وقرأ أبو جعفر ، والأعرج ، والنخعي ، وأبو رجاء ، وابن وثاب ، وعامر ، ونافع ، والكسائي : يصدون ، بضم الصاد ، أي يعرضون عن الحق من أجل ضرب المثل . وقرأ ابن عباس ، وابن جبير ، والحسن ، وعكرمة ، وباقي السبعة : بكسرها ، أي يصيحون ويرتفع لهم حمية بضرب المثل . وروي : ضم الصاد ، عن علي ، وأنكرها ابن عباس ، ولا يكون إنكاره إلا قبل بلوغه تواترها . وقرأ الكسائي ، والفراء : هما لغتان بمعنى : مثل يعرشون ويعرشون . * ( وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) * : خفف الكوفيون الهمزتين ، وسهل باقي السبعة الثانية بين بين . وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر : بهمزة واحدة على مثال الخبر ، فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام محذوفة لدلالة أم عليها ، واحتمل أن يكون خبراً محضاً . حكوا أن آلهتهم خير ، ثم عنّ لهم أن يستفهموا ، على سبيل التنزل من الخبر إلى الاستفهام المقصود به الإفحام ، وهذا الاستفهام يتضمن أن آلهتهم خير من عيسى . * ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ) * : أي ما مثلوا هذا التمثيل إلا لأجل الجدل والغلبة والمغالطة ، لا لتمييز الحق واتباعه . وانتصب جدلاً على أنه مفعول من أجله ، وقيل : مصدر في موضع الحال . وقرأ ابن مقسم : إلا جدالاً ؛ بكسر الجيم . وألف خصمون : شديدو الخصومة واللجاج ؛ وفعل من أبنية المبالغة نحو : هدى . والظاهر أن الضمير في أم هو لعيسى ، لتتناسق الضمائر في قوله : * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ ) * . وقال قتادة : يعود على النبي صلى الله عليه وسلم ) . * ( أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) * بالنبوة وشرفناه بالرسالة . * ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ) * أي خبرة عجيبة ، كالمثل * ( لّبَنِى إِسْراءيلَ ) * ، إذ خلق من غير أب ، وجعل له من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والأسقام كلها ، ما لم يجعل لغيره في زمانه . وقيل : المنعم عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم ) . * ( وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَئِكَةً فِى الاْرْضِ ) * ، قال بعض النحويين : من تكون للبدل ، أي لجعلنا بدلكم ملائكة ، وجعل من ذلكم قوله تعالى : * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ ) * ، أي بدل الآخرة ، وقول الشاعر : * أخذوا المخاض من الفصيل غلية * ظلماً ويكتب للأمير أفالا * أي بدل الفصيل ، وأصحابنا لا يثبتون لمن معنى البدلية ، ويتأولون ما ورد ما يوهم ذلك . قال ابن عطية : لجعلنا بدلاً منكم . وقال الزمخشري : ولو نشاء ، لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر ، لجعلنا منكم : لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض ، كما يخلفكم أولادكم ؛ كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام ، وذات القديم متعالية عن ذلك . انتهى ، وهو تخريج حسن .