أبي حيان الأندلسي
13
تفسير البحر المحيط
بالقحط والقتل والسبي والجلاء . * ( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ) * من كذبك . وقال ابن عطية في قال : ضمير يعود على النذير ، وباقي الآية يدل على أن قل في قراءة من قرأها ليست بأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم ) ، وإنما هي حكاية لما أمر به النذير . ولو : في هذا الموضع ، كأنها شرطية بمعنى : إن ، كان معنى الآية : أو إن جئتكم بأبين وأوضح مما كان عليه آباؤكم ، يصحبكم لجاجكم وتقليدكم ، فأجاب الكفار حينئذ من الأمم المكذبة بأنبيائها ، كما كذبت بمحمد صلى الله عليه وسلم ) ، ولا يتعين ما قاله ، بل الظاهر هو ما قدمناه . * * ( وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لاِبِيهِ وَقَوْمِهِ ) * : وذكر العرب بحال جدّهم الأعلى ، ونهيه عن عبادة غير الله ، وإفراده بالتوحيد والعبادة هزؤاً لهم ، ليكون لهم رجوع إلى دين جدهم ، إذ كان أشرف آبائهم والمجمع على محبته ، وأنه صلى الله عليه وسلم ) لم يقلد أباه في عبادة الأصنام ، فينبغي أن تقتدوا به في ترك تقليد آبائكم الأقربين ، وترجعوا إلى النظر واتباع الحق . وقرأ الجمهور : برآء ، مصدر يستوي فيه المفرد والمذكر ومقابلهما ، يقال : نحن البراء منك ، وهي لغة العالية . وقرأ الزعفراني والقورصي ، عن أبي جعفر وابن المناذري ، عن نافع : بضم الباء ؛ والأعمش : برئ ، وهي لغة نجد وشيخيه ، ويجمع ويؤنث ، وهذا نحو : طويل وطوال ، وكريم وكرام . وقرأ الأعم 5 : إني ، بنون مشددة دون نون الوقاية ؛ والجمهور : إنني ، بنونين ، الأولى مشددة . والظاهر أن قوله : * ( إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى ) * استثناء منقطع ، إذ كانوا لا يعبدون الله مع أصنامهم . وقيل : كانوا يشركون أصنامهم معه تعالى في العبادة ، فيكون استثناء متصلاً . وعلى الوجهين ، فالذي في موضع نصب ، وإذا كان استثناء متصلاً ، كانت ما شاملة من يعلم ومن لا يعلم . وأجاز الزمخشري أن يكون الذي مجروراً بدلاً من المجرور بمن ، كأنه قال : إنني براء مما تعبدون ، إلا من الذي . وأن تكون إلا صفة بمعنى : غير ، على أن ما في ما تعبدون نكرة موصوفة تقديره : إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ، فهو نظير قوله : * ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) * . انتهى . ووجه البدل لا يجوز ، لأنه إنما يكون في غير الموجب من النفي والنهي والاستفهام . ألا ترى أنه يصلح ما بعد إلا لتفريغ العامل له ؟ وإنني بريء ، جملة موجبة ، فلا يصلح أن يفرغ العامل فيها للذي هو بريء لما بعد إلا . وعن الزمخشري : كون بريء ، فيه معنى الانتفاء ، ومع ذلك فهو موجب لا يجوز أن يفرغ لما بعد إلا . وأما تقديره ما نكرة موصوفة ، فلم يبقها موصولة ، لاعتقاده أن إلا لا تكون صفة إلا لنكرة . وهذه المسألة فيها خلاف . من النحويين من قال : توصف بها النكرة والمعرفة ، فعلى هذا تبقى ما موصولة ، ويكون إلا في موضع الصفة للمعرفة ، وجعله فطرني في صلة الذي . تنبيه على أنه لا يعبد ولا يستحق العبادة إلا الخالق للعباد . * ( فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) * : أي يديم هدايتي ، وفي مكان آخر : * ( الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ) * ، فهو هاديه في المستقبل . والحال والضمير في جعلها المرفوع عائد على إبراهيم ، وقيل على الله . والضمير المنصوب عائد على كلمة التوحيد التي تكلم بها ، وهي قوله : * ( إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى ) * . وقال قتادة ومجاهد والسدي : لا إله إلا الله ، وإن لم يجر لها ذكر ، لأن اللفظ يتضمنها . وقال ابن زيد : كلمة الإسلام لقوله : * ( وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) * ، * ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ ) * ، * ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) * . وقرأ حميد بن قيس : كلمة ، بكسر الكاف وسكون اللام . وقرئ : في عقبه ، بسكون القاف ، أي في ذريته . وقرئ : في عاقبه ، أي من عقبه ، أي خلقه . فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده . لعلهم : أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم . وقرأ الجمهور : بل متعت ، بتاء المتكلم ، والإشارة بهؤلاء لقريش ومن كان من عقب إبراهيم عليه السلام من العرب . لما قال : * ( فِى عَقِبِهِ ) * ، قال تعالى : لكن متعت هؤلاء وأنعمت عليهم في كفرهم ، فليسوا ممن تعقب كلمة التوحيد فيهم . وقرأ قتادة والأعمش : بل متعت ، بتاء الخطاب ، ورواها يعقوب عن نافع . قال صاحب اللوامح : وهي من مناجاة إبراهيم عليه السلام ربه تعالى . والظاهر أنه من مناجاة محمد صلى الله عليه وسلم ) ، أي : قال يا رب بل متعت . وقرأ الأعمش : متعنا ، بنون العظمة ، وهي تعضد قراءة الجمهور . * ( حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ ) * ، وهو القرآن ؛ * ( وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ) * ، هو محمد صلى الله عليه وسلم ) . وقال الزمخشري : فإن قلت : فما وجه من قرأ : بل متعت ، بفتح التاء ؟ قلت : كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله : * ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى