أبي حيان الأندلسي

7

تفسير البحر المحيط

وقرأ عيسى ، وابن أبي عبلة : خاضعة . وعن ابن عباس : فنزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية ، ستكون لنا عليهم الدولة ، فتذل أعناقهم بعد معاوية ، ويلحقهم هوان بعد عز . * ( وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرَّحْمَانِ مُحْدَثٍ ) * . تقدم تفسيره في الأنبياء . * ( إِلاَّ كَانُواْ ) * : جملة حالية ، أي إلا يكونوا عنها . وكان يدل ذلك أن ديدنهم وعادتهم الإعراض عن ذكر الله . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد ، وهو الإعراض ؟ قلت : كان قبل حين أعرضوا عن الذكر ، فقد كذبوا به ، وحين كذبوا به ، فقد خف عليهم قدره وصار عرضه الاستهزاء بالسخرية ، لأن من كان قابلاً للتحق مقبلاً عليه ، كان مصدقاً به لا محالة ، ولم يظن به التكذيب . ومن كان مصدقاً به ، كان موقراً له . انتهى . * ( فَسَيَأْتِيهِمْ ) * : وعيد بعذاب الدنيا ، كيوم بدر ، وعذاب الآخرة . ولما كان إعراضهم عن النظر في صانع الوجود ، وتكذيب ما جاءتهم به رسله من أعظم الكفر ، وكانوا يجعلون الأصنام آلهة ، نبه تعالى على قدرته ، وأنه الخالق المنشيء الذي يستحق العبادة بقوله : * ( أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ إِلَى الاْرْضِ ) * ؟ والزوج : النوع . وقيل : الشيء وشكله . وقيل : أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض . وقال الفراء : الزوج : اللون . والكريم : الحسن ، قاله مجاهد وقتادة . وقيل : ما يأكله الناس والبهائم . وقيل : الكثير المنفعة . وقيل : الكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد . وجه كريم : مرضي في حسنه وجماله ؛ وكتاب كريم : مرضي في معانيه وفوائده . وقال : حتى يشق الصفوف من كرمه ، أي من كونه مرضياً في شجاعته وبأسه ، ويراد الأشياء التي بها قوام الأمور ، والأغذية والنباتات ، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن اثنين . قال تعالى : * ( وَاللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الاْرْضِ نَبَاتاً ) * . قال الشعبي : الناس من نبات الأرض ، فمن صار إلى الجنة فهو كريم ، ومن صار إلى النار فبضد ذلك . قال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى الجمع بين كم وكل ؟ ولو قيل : * ( أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) * قلت : دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل ، وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ؟ فهذا معنى الجمع ، وبه نبه على كمال قدرته . انتهى . وأفرد * ( لآيَةً ) * ، وإن كان قد سبق ما دل على الكثرة في الأزواج ، وهو كم ، وعلى الإحاطة بالعموم في الأزواج ، لأن المشار إليه واحد ، وهو الإنبات ، وإن اختلفت متعلقاته ، أو أريد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية . * ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * : تسجيل على أكثرهم بالكفر . * ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) * : أي الغالب القاهر . ولما كان الموضع موضع بيان القدرة ، قدم صفة العزة على صفة الرحمة . فالرحمة إذا كانت عن قدرة ، كانت أعظم وقعاً ، والمعنى : أنه عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة . ولما ذكر تكذيب قريش بما جاءهم من الحق وإعراضهم عنه ، ذكر قصة موسى عليه السلام ، وما قاسى مع فرعون وقومه ، ليكون ذلك مسلاة لما كان يلقاه عليه الصلاة والسلام من كفار قريش . وإذ كانت قريش . وإذ كانت قريش قد اتخذت آلهة من دون الله ، وكان قوم فرعون قد اتخذوه إلاهاً ، وكان أتباع ملة موسى عليه السلام هم المجاورون من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ) ، بدأ بقصة موسى ، ثم ذكر بعد ذلك ما يأتي ذكره من القصص . والعامل في قال الزجاج ، أتل مضمرة ، أي أتل هذه القصة فيما يتلوا إذ نادى ، ودليل ذلك * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ) * إذ . وقيل : العامل اذكر ، وهو مثل واتل ، ومعنى نادى : دعا . وقيل : أمر . وأن : يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون تفسيرية ، وسجل عليهم بالظلم ، لظلم أنفسهم بالكفر ، وظلم بني إسرائيل بالاستعباد ، وذبح الأولاد ، و * ( قَوْمِ فِرْعَونَ ) * ، وقيل : بدل من * ( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * ، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد ، إذ كل واحد عطف البيان ، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد ، إذ كل واحد عطف البيان ، وسوغه مستقل بالإسناد . ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك ، أتى عطف البيان بإزالته