أبي حيان الأندلسي
94
تفسير البحر المحيط
* ( عِوَجَا ) * ليعم جميع أنواعه لأنها نكرة في سياق النفي ، والمعنى أنه في غاية الإستقامة لا تناقض ولا اختلاف في معانيه ، لا حوشية ولا عيّ في تراكيبه ومبانيه . و * ( قَيِّماً ) * تأكيد لإثبات الإستقامة إن كان مدلوله مستقيماً وهو قول ابن عباس والضحاك . وقيل : * ( قَيِّماً ) * بمصالح العباد وشرائع دينهم وأمور معاشهم ومعادهم . وقيل : * ( قَيِّماً ) * على سائر الكتب بتصديقها . واختلفوا في هذه الجملة المنفية ، فزعم الزمخشري أنها معطوفة على * ( أَنَزلَ ) * فهي داخلة في الصلة ، ورتب على هذا أن الأحسن في انتصاب * ( قَيِّماً ) * أن ينتصب بفعل مضمر ولا يجعل حالاً من * ( الْكِتَابِ ) * لما يلزم من ذلك وهو الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وقدره جعله * ( قَيِّماً ) * . وقال ابن عطية : * ( قَيِّماً ) * نصب على الحال من * ( الْكِتَابِ ) * فهو بمعنى التقديم مؤخر في اللفظ ، أي أنزل الكتاب * ( قَيِّماً ) * واعترض بين الحال وذي الحال قوله * ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ) * ذكره الطبري عن ابن عباس ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله * ( قَيِّماً ) * . أما إذا قلنا بأن الجملة المنفية اعتراض فهو جائز ، ويفصل بجمل للإعتراض بين الحال وصاحبها . وقال العسكري : في الآية تقديم وتأخير كأنه قال : احمدوا الله على إنزال القرآن * ( قَيِّماً ) * لا عوج فيه ، ومن عادة البلغاء أن يقدّموا الأهم . وقال أبو عبد الله الرازي : * ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ) * يدل على كونه مكملاً في ذاته . وقوله قيماً يدل على كونه مكملاً بغيره ، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله ، وأن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه . وقال الكرماني : إذ جعلته حالاً وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير ، والصحيح أنهما حالان من * ( الْكِتَابِ ) * الأولى جملة والثانية مفرد انتهى . وهذا على مذهب من يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف ، وكثير من أصحابنا على منع ذلك انتهى . واختاره الأصبهاني وقال : هما حالان متواليان والتقدير غير جاعل له * ( عِوَجَا * قَيِّماً ) * وقال صاحب حل العقد : يمكن أن يكون قوله قيماً بدلاً من قوله * ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ) * أي جعله مستقيماً * ( قَيِّماً ) * انتهى . ويكون بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيداً أبو من أنه بدل جملة من مفرد وفيه خلاف . وقيل : * ( قَيِّماً ) * حال من الهاء المجرورة في * ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ ) * مؤكدة . وقيل : منتقلة ، والظاهر أن الضمير في * ( لَهُ ) * عائد على * ( الْكِتَابِ ) * وعليه التخاريج الإعرابية السابقة . وزعم قوم أن الضمير في * ( لَهُ ) * عائد على * ( عَبْدِهِ ) * والتقدير * ( عَلَى عَبْدِهِ ) * وجعله * ( قَيِّماً ) * . وحفص يسكت على قوله * ( عِوَجَا ) * سكتة خفيفة ثم يقول * ( قَيِّماً ) * . وفي بعض مصاحف الصحابة * ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ) * لكن جعله قيماً ويحمل ذلك على تفسير المعنى لا أنها قراءة . وأنذر يتعدى لمفعولين قال * ( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ) * وحذف هنا المفعول الأول وصرح بالمنذر به لأنه هو الغرض المسوق إليه فاقتصر عليه ، ثم صرح بالمنذر في قوله حين كرر الإنذار فقال : * ( وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) * فحذف المنذر أولاً لدلالة الثاني عليه ، وحذف المنذر به لدلالة الأول عليه ، وهذا من بديع الحذف وجليل الفصاحة ، ولما لم يكرر البشارة أتى بالمبشر والمبشر به ، والظاهر أن * ( لّيُنذِرَ ) * متعلقة بأنزل . وقال الحوفي : تتعلق بقيماً ، ومفعول لينذر المحذوف قدره ابن عطية * ( لّيُنذِرَ ) * العالم ، وأبو البقاء * ( لّيُنذِرَ ) *