أبي حيان الأندلسي
87
تفسير البحر المحيط
تتعدّي إلى اثنين ثانيهما بحرف جر ، تقول : دعوت والدي بزيد ثم تتسع فتحذف الباء . وقال الشاعر في دعا هذه : * دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن * أخاها ولم أرضع لها بلبان وهي أفعال تتعدى إلى واحد بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر ، يحفظ ويقتصر فيها على السماع وعلى ما قال الزمخشري يكون الثاني لقوله * ( ادْعُواْ ) * لفظ الجلالة ، ولفظ * ( الرَّحْمَانُ ) * وهو الذي دخل عليه الباء ثم حذف وكأن التقدير * ( ادْعُواْ ) * معبودكم بالله أو ادعوه بالرحمن ولهذا قال الزمخشري : المراد بهما اسم المسمى وأو للتخيير ، فمعنى * ( ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ ) * سموا بهذا الاسم أو بهذا ، واذكروا إما هذا وإما هذا انتهى . وكذا قال ابن عطية هما اسمان لمسمى واحد ، فإن دعوتموه بالله فهو ذاك ، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك وأي هنا شرطية . والتنوين قيل عوض من المضاف و * ( مَا ) * زائدة مؤكدة . وقيل : * ( مَا ) * شرط ودخل شرط على شرط . وقرأ طلحة بن مصروف . * ( أَيّا ) * من * ( تَدْعُواْ ) * فاحتمل أن تكون من زائدة على مذهب الكسائي إذ قد ادّعي زيادتها في قوله : * واحتمل أن يكون جمع بين أداتي شرط على وجه الشذوذ كما جمع بين حرفي جر نحو قول الشاعر : فأصبحن لا يسألنني عن بما به وذلك لاختلاف اللفظ . والضمير في * ( فَلَهُ ) * عائد على مسمى الأسمين وهو واحد ، أي فلمسماهما * ( الاْسْمَاء الْحُسْنَى ) * ، وتقدم الكلام على قوله * ( الاْسْمَاء الْحُسْنَى ) * في الأعراف . وقوله : * ( فَلَهُ ) * هو جواب الشرط . قيل : ومن وقف على * ( أَيّا ) * جعل معناه أي اللفظين دعوتموه به جاز ، ثم استأنف فقال ما تدعوه * ( فَلَهُ الاْسْمَاء الْحُسْنَى ) * وهذا لا يصح لأن ما لا تطلق على آحاد أولي العلم ، ولأن الشرط يقتضي عموماً ولا يصح هنا ، والصلاة هنا الدعاء قاله ابن عباس وعائشة وجماعة . وعن ابن عباس أيضاً : هي قراءة القرآن في الصلاة فهو على حذف مضاف أي بقراءة الصلاة ، ولا يلبس تقدير هذا المضاف لأنه معلوم أن الجهر والمخافتة معتقبان على الصوت لا غير ، والصلاة أفعال وأذكار وكان عليه الصلاة والسلام يرفع صوته بقراءته فيسب المشركون ويلغون فأمر بأن يخفض من صوته حتى لا يسمع المشركين ، وأن لا يخافت حتى يسمعه من وراءه من المؤمنين . * ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذالِكَ ) * أي بين الجهر والمخافتة * ( سَبِيلاً ) * وسطاً وتقدم الكلام على * ( بَيْنَ ذالِكَ ) * في قوله * ( عَوَانٌ بَيْنَ ذالِكَ ) * . وقال ابن عباس أيضاً والحسن : لا تحسن علانيتها وتسيء سرّبتها . وعن عائشة : الصلاة يراد بها هنا التشهد . وقال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك ، وكان أبو بكر يسرّ قراءته وعمر يجهر بها . فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي . وقال عمر : أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، فلما نزلت قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلاً . وقيل لعمر : اخفض أنت قليلاً . وعن ابن عباس أيضاً : المعنى * ( وَلاَ تَجْهَرْ ) * بصلاة النهار * ( وَلاَ تُخَافِتْ ) * بصلاة الليل . وقال ابن زيد : معنى الآية على ما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحياناً فيرفع الناس معه ، ويخفض أحياناً فيسكت الناس خلفه انتهى . كما يفعل أهل زمانناً من رفع الصوت بالتلحين وطرائق النعم المتخذة للغناء . ولما ذكر تعالى أنه واحد وإن تعددت أسماؤه أمر تعالى أن يحمده على ما أنعم به عليه مما آتاه من شرف الرسالة والاصطفاء ، ووصف نفسه بأنه * ( لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ) * فيعتقد فيه تكثر بالنوع ،