أبي حيان الأندلسي

82

تفسير البحر المحيط

البصريون يصرحون بامتناع لو زيد قام لأكرمته على الفصيح ، ويجيزونه شاذاً كقولهم . لو ذات سوار لطمتني وهو عندهم على فعل مضمر كقوله تعالى * ( وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ) * فهو من باب الاشتغال انتهى . وخرّج ذلك أبو الحسن عليّ بن فضال المجاشعي على إضمار كان ، والتقدير * ( قُل لَّوْ ) * كنتم * ( أَنتُمْ ) * تملكون فظاهر هذا التخريج أنه حذف كنتم برمته وبقي * ( أَنتُمْ ) * توكيداً لذلك الضمير المحذوف مع الفعل ، وذهب شيخنا الأستاذ أبو الحسن الصائغ إلى حذف كان فانفصل اسمها الذي كان متصلاً بها ، والتقدير * ( قُل لَّوْ ) * كنتم * ( تَمْلِكُونَ ) * فلما حذف الفعل انفصل المرفوع ، وهذا التخريج أحسن لأن حذف كان بعد * ( لَوْ ) * معهود في لسان العرب ، والرحمة هنا الرزق وسائر نعمه على خلقه . والكلام على * ( إِذًا لأمْسَكْتُمْ ) * تقدم نظيره في قوله * ( إِذًا لأَذَقْنَاكَ ) * و * ( خَشْيَةَ ) * مفعول من أجله ، والظاهر أن * ( الإِنفَاقِ ) * على مشهور مدلوله فيكون على حذف مضاف ، أي * ( خَشْيَةَ ) * عاقبة * ( الإِنفَاقِ ) * وهو النفاد . وقال أبو عبيدة : أنفق وأملق وأعدم وأصرم بمعنى واحد ، فيكون المعنى خشية الافتقار . والقتور الممسك البخيل * ( * والإنسان ) * هنا للجنس . ولما حكى الله تعالى عن قريش ما حكى من تعنتهم في اقتراحهم وعنادهم للرسول صلى الله عليه وسلم ) سلاه تعالى بما جرى لموسى مع فرعون ومع قومه من قولهم * ( فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً ) * إذ قالت قريش * ( أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ ) * وقالت * ( أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) * وسكن قلبه ونبه على أن عاقبتهم للدمار والهلاك كما جرى لفرعون إذ أهلكه الله ومن معه . و * ( تِسْعِ ءايَاتٍ ) * قال ابن عباس وجماعة من الصحابة : هي اليد البيضاء ، والعصا ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم هذه سبع باتفاق ، وأما الثنتان فعن ابن عباس لسانه كان به عقدة فحلها الله ، والبحر الذي فلق له . وعنه أيضاً البحر والجبل الذي نتق عليهم . وعنه أيضاً السنون ونقص من الثمرات وقاله مجاهد والشعبي وعكرمة وقتادة . وقال الحسن : السنون ونقص الثمرات آية واحدة ، وعن الحسن ووهب البحر والموت أرسل عليهم . وعن ابن جبير الحجر والبحر . وعن محمد بن كعب : البحر والسنون . وقيل : * ( تِسْعِ ءايَاتٍ ) * هي من الكتاب ، وذلك أن يهودياً قال لصاحبه : تعالى حتى نسأل هذا النبيّ فقال الآخر لا تقل إنه نبيّ فإنه لو سمع كلامك صارت له أربعة أعين ، فأتياه وسألاه عن * ( تِسْعَ ءايَاتٍ بَيّنَاتٍ ) * فقال : لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله ، ولا تسخروا ، ولا تقذفوا المحصنات ، ولا تفروا من الزحف ، وعليكم خاصة يهود أن لا تعتدوا في السبت ، قال : فقبلا يده وقالا : نشهد أنك نبيّ فقال : ما منعكما أن تسلماً ؟ قالا : إن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبيّ وإنّا نخاف إن أسلمنا تقتلنا اليهود . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقرأ الجمهور : فسل * ( بَنِى إِسْراءيلَ ) * وبنو إسرائيل معاصروه ، وفسل معمول لقول محذوف أي فقلنا سل ، والظاهر أنه خطاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ) أمره أن يسألهم عما أعلمه به من غيب القصة . ثم قال : * ( إِذْ جَاءهُمُ ) * يريد آباءهم وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم . وقال الزمخشري : سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم ، أو سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك . ويدل عليه قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . فسأل * ( بَنِى إِسْراءيلَ ) * على لفظ الماضي بغير همز وهي لغة قريش . وقيل : فسل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات لتزداد يقيناً وطمأنينة قلب ، لأن الدلالة إذا