أبي حيان الأندلسي

78

تفسير البحر المحيط

حتى يسهل علينا الحرث والزرع وأحي لنا قصياً فإنه كان صدوقاً يخبرنا عن صدقك اقترحوا لهم أولاً هذه الآية ثم اقترحوا أخرى له عليه السلام أن * ( تَكُونُ ) * له * ( جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ) * وهما كنا الغالب على بلادهم ، ومن أعظم ما يقتنون ، ومعنى * ( خِلاَلَهَا ) * أي وسط تلك الجنة وأثناءها . فتسقي ذلك النخل وتلك الكروم وانتصب * ( خِلاَلَهَا ) * على الظرف . وقرأ الجمهور : * ( تُسْقِطَ ) * بتاء الخطاب مضارع أسقط السماء نصباً ، ومجاهد بياء الغيبة مضارع سقط السماء رفعاً ، وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي * ( كِسَفًا ) * بسكون السين وباقي السبعة بفتحها . وقولهم * ( كَمَا زَعَمْتَ ) * إشارة إلى قوله تعالى * ( إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الاْرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السَّمَاء ) * . وقيل : * ( كَمَا زَعَمْتَ ) * إن ربك إن شاء فعل . وقيل : هو ما في هذه السورة من قوله * ( أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرّ أَوْ * نُرْسِلُ * عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) * . قال بو عليّ * ( قَبِيلاً ) * معاينة كقوله * ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) * . وقال غيره : * ( قَبِيلاً ) * كفيلاً بما تقول شاهداً لصحته ، والمعنى أو تأتي بالله * ( قَبِيلاً ) * والملائكة * ( قَبِيلاً ) * كقوله : * كنت منه ووالدي بريا * وإني وقيار بها لغريب * أي مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر ونحوه * ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) * أو جماعة حالاً من الملائكة . وقرأ الأعرج قبلاً م المقابلة . وقرأ الجمهور : * ( مّن زُخْرُفٍ ) * وعبد الله من ذهب ، ولا تحمل على أنها قراءة لمخالفة السواد وإنما هي تفسير . وقال مجاهد : كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله من ذهب . وقال الزجّاج : الزخرف الزينة وتقدم شرح الزخرف . * ( وَفِى السَّمَاء ) * على حذف مضاف ، أي في معارج السماء . والظاهر أن * ( السَّمَاء ) * هنا هي المظلة . وقيل : المراد إلى مكان عال وكل ما علا وارتفع يسمى سماء . وقال الشاعر : * وقد يسمى سماء كل مرتفع * وإنما الفضل حيث الشمس والقمر * قيل : وقائل هذه هو ابن أبي أمية قال : ابن نؤمن حتى تضع على السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول ، ويحتمل أن يكون مجموع أولئك الصناديد قالوا ذلك وغيوا إيمانهم بحصول واحد من هذه المقترحات ، ويحتمل أن يكون كل واحد اقترح واحداً منها ونسب ذلك للجميع لرضاهم به أو تكون * ( أَوْ ) * فيها للتفضيل أي قال كل واحد منهم مقالة مخصوصة منها ، وما اكتفوا بالتغيية بالرقي * ( فِى السَّمَاء ) * حتى غيوا ذلك بأن ينزل عليهم * ( كِتَاباً ) * يقرؤونه ، ولما تضمن اقتراحهم ما هو مستحيل في حق الله تعالى وهو أن يأتي * ( بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلاً ) * أمره تعالى بالتسبيح والتنزيه عما لا يليق به ، ومن أن يقترح عليه ما ذكرتم فقال * ( سُبْحَانَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ) * أي ما كنت إلاّ بشراً رسولاً أي من الله إليكم لا مقترحاً عليه ما ذكرتم من الآيات . وقال الزمخشري : وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلاّ العناد واللجاج ، ولو جاءتهم كل أية لقالوا هذا سحر كما قال عز وعلا * ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِى قِرْطَاسٍ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ) * وحين أذكروا . الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات ، وليست بدون ما اقترحوه بل هي أعظم لم يكن انتهى وشق