أبي حيان الأندلسي

50

تفسير البحر المحيط

وقرأ الجمهور : * ( يَدَّعُونَ ) * بياء الغيبة وابن مسعود وقتادة بتاء الخطاب ، وزيد بن عليّ بياء الغيبة مبنياً للمفعول ، والمعنى يدعونهم آلهة أو يدعونهم لكشف ما حل بكم من الضر كما حذف من قوله * ( قُلِ ادْعُواْ ) * أي ادعوهم لكشف الضر . وفي قوله : * ( زَعَمْتُمْ ) * ضمير محذوف عائد على * ( الَّذِينَ ) * وهو المفعول الأول والثاني محذوف تقديره زعمتموهم آلهة من دون الله ، و * ( أُوْلَائِكَ ) * مبتدأ و * ( الَّذِينَ ) * صفته ، والخبر * ( يَبْتَغُونَ ) * . و * ( الْوَسِيلَةَ ) * القرب إلى الله تعالى ، والظاهر أن * ( أُوْلَائِكَ ) * إشارة إلى المعبودين والواو في * ( يَدَّعُونَ ) * للعابدين ، والعائد على * ( الَّذِينَ ) * منصوب محذوف أي يدعونهم . وقال ابن فورك : الإشارة بقوله بأولئك إلى النبيين الذين تقدّم ذكرهم ، والضمير المرفوع في * ( يَدَّعُونَ ) * و * ( يَبْتَغُونَ ) * عائد عليهم ، والمعنى يدعون الناس إلى دين الله ، والمعنى على هذا أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلاّ الله ولا يبتغون الوسيلة إلاّ إليه ، فهم أحق بالاقتداء بهم فلا يعبدوا غير الله . وقرأ الجمهور : * ( إِلَى رَبّهِمُ ) * بضمير الجمع الغائب . وقرأ ابن مسعود إلى ربك بالكاف خطاباً للرسول ، واختلفوا في إعراب * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * وتقديره . فقال الحوفي : * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * ابتداء وخبر ، والمعنى ينظرون * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * فيتوسلون به ويجوز أن يكون * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * بدلاً من الواو في * ( يَبْتَغُونَ ) * انتهى . ففي الوجه الأول أضمر فعل التعليق ، و * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * في موضع نصب على إسقاط حرف الجر لأن نظر إن كان بمعنى الفكر تعدّى بفي ، وإن كانت بصرية تعدّت بإلى ، فالجملة المعلق عنها الفعل على كلا التقديرين تكون في موضع نصب على إسقاط حرف الجر كقوله * ( فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ) * وفي إضمار الفعل المعلق نظر ، والوجه الثاني قاله الزمخشري قال : وتكون أي موصولة ، أي يبتغى من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب انتهى . فعلى الوجه يكون * ( أَقْرَبُ ) * خبر مبتدأ محذوف ، واحتمل * ( أَيُّهُم ) * أن يكون معرباً وهو الوجه ، وأن يكون مبنياً لوجود مسوغ البناء . قال الزمخشري : أو ضمن * ( يَبْتَغُونَ ) * * ( الْوَسِيلَةَ ) * معنى يحرصون فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله ، وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح ، فيكون قد ضمن * ( يَبْتَغُونَ ) * معنى فعل قلبي وهو يحرصون حتى يصح التعليق ، وتكون الجملة الابتدائية في موضع نصب على إسقاط حرف الجر لأن حرص يتعدى بعلى ، كقوله * ( إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ ) * . وقال ابن عطية : و * ( أَيُّهُم ) * ابتدأ و * ( أَقْرَبُ ) * خبره ، والتقدير نظرهم وودكهم * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها ، أي يتبارون في طلب القرب . فجعل المحذوف نظرهم وودكهم وهذا مبتدأ فإن جعلت * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * في موضع نصب بنظرهم المحذوف بقي المبتدأ الذي هو نظرهم بغير خبر محتاج إلى إضمار الخبر ، وإن جعلت * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * هو الخبر فلا يصح لأن نظرهم ليس هو * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * وإن جعلت التقدير نظرهم في * ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) * أي كائن أو حاصل فلا يصح ذلك لأن كائناً وحاصلاً ليس مما تعلق . وقال أبو البقاء : * ( أَيُّهُم ) * مبتدأ و * ( أَقْرَبُ ) * خبره ، وهو استفهام في موضع نصب بيدعون ، ويجوز أن يكون * ( أَيُّهُم ) * بمعنى الذي وهو بدل من الضمير في * ( يَدَّعُونَ ) * والتقدير الذي هو أقرب انتهى . ففي الوجه الأولى علق * ( يَدَّعُونَ ) * وهو ليس فعلاً قلبياً ، وفي الثاني فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية ، ولا يضر ذلك لأنها معمولة للصلة * ( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) * كغيرهم من عباد الله ، فكيف يزعمون أنهم آلهة * ( إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) * يحذره كل أحد . و * ( إِنَّ مِنْ * قَرْيَةٌ ) * * ( ءانٍ ) * نافية و * ( مِنْ ) * زائدة في المبتدأ تدل على استغراق الجنس ، والجملة بعد * ( إِلا ) * خبر المبتدأ . وقيل : المراد الخصوص والتقدير وإن من قرية ظالمة . وقال ابن عطية : ومن لبيان الجنس على قول من يثبت لها هذا المعنى هو أن يتقدم قبل ذلك ما يفهم منه إبهام ما فتأتي * ( مِنْ ) * لبيان ما