أبي حيان الأندلسي
37
تفسير البحر المحيط
على هذا المعنى محذوف وهي هذه الأشياء أي : صرّفنا الأمثال والعبر والحكم والأحكام والأعلام . وقيل : المعنى لم ننزله مرة واحدة بل نجوماً ومعناه أكثرنا صرف جبريل إليك والمفعول محذوف أي * ( صَرَفْنَا ) * جبريل . وقيل : * ( فِى ) * زائدة أي * ( صَرَفْنَا ) * * ( هَاذَا الْقُرْءانُ ) * كما قال * ( وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى ) * وهذا ضعيف لأن في لا تزاد . وقال الزمخشري : يجوز أن يريد بهذا القرآن إبطال إضافتهم إلى الله البنات لأنه مما صرفه وكرر ذكره ، والمعنى ولقد * ( صَرَفْنَا ) * القول في هذا المعنى ، وأوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكاناً للتكرير ، ويجوز أن يشير بهذا * ( الْقُرْءانَ ) * إلى التنزيل ، ويريد ولقد صرفناه يعني هذا المعنى في مواضع من التنزيل ، فترك الضمير لأنه معلوم انتهى . فجعل التصريف خاصاً بما دلت عليه الآية قبله وجعل مفعول * ( صَرَفْنَا ) * أما القول في هذا المعنى أو المعنى وهو الضمير الذي قدره في صرفناه وغيره جعل التصريف عامّاً في أشياء فقدر ما يشمل ما سيق له ما قبله وغيره . وقرأ الحسن بتخفيف الراء . فقال صاحب اللوامح : هو بمعنى العامة يعني بالعامة قراءة الجمهور ، قال ؛ لأن فعل وفعل ربما تعاقبا على معنى واحد . وقال ابن عطية : على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله . وقرأ الجمهور * ( لّيَذْكُرُواْ ) * أي ليتذكروا من التذكير ، أدغمت التاء في الذال . وقرأ الأخوان وطلحة وابن وثاب والأعمش ليذكروا بسكون الذال وضم الكاف من الذكر أو الذكر ، أي ليتعظوا ويعتبروا وينظروا فيما يحتج به عليهم ويطمئنوا إليه * ( وَمَا يَزِيدُهُمْ ) * أي التصريف * ( إِلاَّ نُفُورًا ) * أي بعداً وفراراً عن الحق كما قال : * ( فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ) * وقال : * ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ) * والنفور من أوصاف الدواب الشديدة الشماس ، ولما ذكر تعالى نسبة الولد إليهم ورد عليهم في ذلك ذكر قولهم إنه تعالى معه آلهة وردَّ عليهم . وقرأ ابن كثير وحفص * ( كَمَا يَقُولُونَ ) * بالياء من تحت ، والجمهور بالتاء . ومعنى * ( لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلاً ) * إلى مغالبته وإفساد ملكه لأنهم شركاؤه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض . وقال هذا المعنى أو مثله ابن جبير وأبو عليّ الفارسي والنقاش والمتكلمون أبو منصور وغيره ، وعلى هذا تكون الآية بياناً للتمانع كما في قوله * ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) * ويأتي تفسيرها إن شاء الله تعالى . وقال قتادة ما معناه : لابتغوا إلى التقرب إلى ذي العرش والزلفى لديه ، وكانوا يقولون : إن الأصنام تقربهم إلى الله فإذا علموا أنها تحتاج إلى الله فقد بطل كونها آلهة ، ويكون كقوله * ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) * أيهم أقرب ، والكاف من * ( كَمَا ) * في موضع نصب . وقال الحوفي : متعلقة بما تعلقت به مع وهو الاستقرار و * ( مَعَهُ ) * خبر كان . وقال أبو البقاء : كوناً لقولكم . وقال الزمخشري : و * ( إِذَا ) * دالة على أن ما بعدها وهو * ( لاَّبْتَغَوْاْ ) * جواب عن مقالة المشركين وجزاء للو انتهى . وعطف * ( وَتَعَالَى ) * على قوله * ( سُبْحَانَهُ ) * لأنه اسم قام مقام المصدر الذي هو في معنى الفعل ، أي براءة الله وقدر تنزه