أبي حيان الأندلسي

326

تفسير البحر المحيط

والألف . وعن الحسن أيضاً * ( سُكَارَى ) * بسكر وقال أو لا ترونها على خطاب الجمع جعلوا جميعاً رائيين لها . ثم قال * ( وَتَرَى ) * على خطاب الواحد لأن الرؤية معلقة بكون الناس على حال السكر ، فجعل كل واحد رائياً لسائرهم غشيهم من خوف عذاب الله ما أذهب عقولهم وردهم في حال من يذهب السكر عقله وتمييزه ، وجاء هذا الاستدراك بالإخبار عن * ( عَذَابُ اللَّهِ ) * أنه * ( شَدِيدٍ ) * لما تقدم ما هو بالنسبة إلى العذاب كالحالة اللينة وهو الذهول والوضع ورؤية الناس أشباه السكارى ، وكأنه قيل : وهذه أحوال هينة * ( وَلَاكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) * وليس بهين ولا لين لأن لكن لا بد أن تقع بين متنافيين بوجه ما وتقدم الكلام فيها . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ ) * أي في قدرته وصفاته . قيل : نزلت في أبي جهل . وقيل : في أُبيّ بن خلف والنضر بن الحارث . وقيل : في النضر وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ، ولا يقدر الله على إحياء من بَلي وصار تراباً والآية في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من الصفات والأفعال ، ولا يرفع إلى علم ولا برهان ولا نصفة . والظاهر أن قوله * ( كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ) * هو من الجن كقوله * ( وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ) * . وقيل : يحتمل أن يكون من الإنس كقوله * ( شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ ) * . لما ذكر تعالى أهوال يوم القيامة ذكر من غفل عن الجزاء في ذلك اليوم وكذب به . وقرأ زيد بن عليّ * ( وَيَتَّبِعْ ) * خفيفاً ، والظاهر أن الضمير في * ( عَلَيْهِ ) * عائد على * ( مِنْ ) * لأنه المحدث عنه ، وفي * ( أَنَّهُ ) * و * ( تَوَلاَّهُ ) * وفي * ( فَإِنَّهُ ) * عائد عليه أيضاً ، والفاعل يتولى ضمير * ( مِنْ ) * وكذلك الهاء في * ( يُضِلُّهُ ) * ويجوز أن تكون الهاء في هذا الوجه أنه ضمير الشأن ، والمعنى أن هذا المجادل لكثرة جداله بالباطل واتباعه الشيطان صار إماماً في الضلال لمن يتولاه ، فشأنه أن يضل من يتولاه . وقيل : الضمير في * ( عَلَيْهِ ) * عائد على * ( كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ) * قاله قتادة ولم يذكر الزمخشري غيره ، وأورد ابن عطية القول الأول احتمالاً . وقال ابن عطية : ويظهر لي أن الضمير في * ( أَنَّهُ ) * الأولى للشيطان والثانية لمن الذي هو للمتولي . قال الزمخشري : والكتبة عليه مثل أي إنما * ( كِتَابَ ) * إضلال من يتولاه * ( عَلَيْهِ ) * ورقم به لظهور ذلك في حاله . وقرأ الجمهور * ( كِتَابَ ) * مبنياً للمفعول . وقرئ * ( كِتَابَ ) * مبنياً للفاعل أي كتب الله . وقرأ الجمهور : * ( أَنَّهُ ) * بفتح الهمزة في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ، * ( فَإِنَّهُ ) * بفتحها أيضاً ، والفاء جواب * ( مِنْ ) * الشرطية أو الداخلة في خبر * ( مِنْ ) * إن كانت موصولة . و * ( فَإِنَّهُ ) * على تقدير فشأنه أنه * ( يُضِلُّهُ ) * أي إضلاله أو فله أن يضله . وقال الزمخشري : فمن فتح فلأن الأول فاعل * ( كِتَابَ ) * بعني به مفعولاً لم يسم فاعله ، قال : والثاني عطف عليه انتهى . وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت * ( فَإِنَّهُ ) * عطفاً على * ( أَنَّهُ ) * بقيت بلا استيفاء خبر لأن * ( مَن تَوَلاَّهُ ) * من ، فيه مبتدأة ، فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى يستقل خبراً لأنه وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها إذ جعلت * ( فَإِنَّهُ ) * عطفاً على * ( أَنَّهُ ) * ومثل قول الزمخشري قال ابن عطية قال * ( وَأَنَّهُ ) * في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله ، وأنه الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها ، وخطا خطأ لما بيناه . وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمر و * ( أَنَّهُ ) * * ( فَإِنَّهُ ) * بكسر الهمزتين . وقال ابن عطية : وقرأ أبو عمرو * ( أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) * بالكسر فيهما انتهى ، وليس مشهوراً عن أبي عمرو . والظاهر أن ذلك من إسناد * ( كِتَابَ ) * إلى الجملة إسناداً لفظياً أي * ( كِتَابَ ) * عليه هذا الكلام كما تقول : كتب إن الله يأمر بالعدل . وقال الزمخشري : أو عن تقدير قبل أو على المفعول الذي لم يسم فاعله الكتب ، والجملة من * ( أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ ) * في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لقيل المقدرة ،