أبي حيان الأندلسي

312

تفسير البحر المحيط

وابنهما يحيى . وقرأت فرقة يدعونا حذفت نون الرفع وطلحة بنون مشددة أدغم نون الرفع في نا ضمير النصب . وقرأ ابن وثاب والأعمش ووهب بن عمرو والنحوي وهارون وأبو معمر والأصمعي واللؤلؤي ويونس وأبو زيد سبعتهم عن أبي عمر و * ( رَغَباً ) * ورهباً ) * بالفتح وإسكان الهاء ، والأشهر عن الأعمش بضمتين فيهما . وقرأ فرقة : بضم الراءين وسكون الغين والهاء ، وانتصب * ( * ) * بالفتح وإسكان الهاء ، والأشهر عن الأعمش بضمتين فيهما . وقرأ فرقة : بضم الراءين وسكون الغين والهاء ، وانتصب * ( رَغَباً وَرَهَباً ) * على أنهما مصدران في موضع الحال أو مفعول من أجله . * ( وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) * هي مريم بنت عمران أم عيسى عليه السلام ، والظاهر أن الفرج هنا حياء المرأة أحصنته أي منعته من الحلال والحرام كما قالت * ( وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ) * . وقيل : الفرج هنا جيب قميصها منعته من جبريل لما قرب منها لينفخ حيث لم يعرف ، والظاهر أن قوله * ( فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ) * كناية عن إيجاد عيسى حياً في بطنها ، ولا نفخ هناك حقيقة ، وأضاف الروح إليه تعالى على جهة التشريف . وقيل : هناك نفخ حقيقة وهو أن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها وأسند النفخ إليه تعالى لما كان ذلك من جبريل بأمره تعالى تشريفاً . وقيل : الروح هنا جبريل كما قال * ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا ) * والمعنى * ( فَنَفَخْنَا فِيهَا ) * من جهة جبريل وكان جبريل قد نفخ من جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها . قال الزمخشري : فإن قلت : نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال الله تعالى * ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ) * أي أحييته ، وإذا ثبت ذلك كان قوله * ( فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ) * ظاهر الإشكال لأنه يدل على إحياء مريم . قلت : معناه نفخنا الروح في عيسى فيها أي أحييناه في جوفها ، ونحو ذلك أن يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته انتهى . ولا إشكال في ذلك لأنه على حذف مضاف أي * ( فَنَفَخْنَا فِيهِ ) * ابنها * ( مِن رُّوحِنَا ) * وقوله قلت معناه نفخنا الروح في عيسى فيها استعمل نفخ متعدياً ، والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى جماع وغير متعد استعمله هو في قوله أي نفخت في المزمار في بيته انتهى . ولا إشكال في ذلك . وأفرد * ( ءايَةً ) * لأن حالهما لمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل ، وإن كان في مريم آيات وفي عيسى آيات لكنه هنا لحظ أمر الولادة من غير ذكر ، وذلك هو آية واحدة وقوله * ( لّلْعَالَمِينَ ) * أي لمن اعتبر بها من عالمي زمانها فمن بعدهم ، ودل ذكر مريم مع الأنبياء في هذه السورة على أنها كانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر ، ومن منع تنبؤ النساء قال ذكرت لأجل عيسى وناسب ذكرهما هنا قصة زكريا وزوجه ويحيى للقرابة التي بينهم . * ( إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا راجِعُونَ * فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ * لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ياوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَاذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ) * . والظاهر أن قوله * ( أُمَّتُكُمْ ) * خطاب لمعاصري الرسول صلى الله عليه وسلم ) و * ( هَاذِهِ ) * إشارة إلى ملة الإسلام ، أي إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها ملة واحدة غير مختلفة ، ويحتمل أن تكون * ( هَاذِهِ ) * إشارة إلى الطريقة التي كان عليها الأنبياء المذكورون من توحيد الله تعالى هي طريقتكم وملتكم طريقة واحدة لا اختلاف فيها في أصول العقائد ، بل ما جاء به الأنبياء من ذلك هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ) . وقيل : معنى * ( أُمَّةً وَاحِدَةً ) * مخلوقة له تعالى مملوكة له ، فالمراد بالأمة الناس كلهم . وقيل : الكلام يحتمل أن يكون متصلاً بقصة مريم وابنها أي * ( وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءايَةً لّلْعَالَمِينَ ) * بأن بعث لهم بملة وكتاب ، وقيل لهم * ( إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ ) * أي دعا الجميع إلى الإيمان بالله وعبادته . ثم أخبر تعالى أنهم بعد ذلك اختلفوا * ( وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ ) * وقرأ الجمهور * ( أُمَّتُكُمْ ) * بالرفع خبر * ( ءانٍ * أُمَّةً وَاحِدَةً ) * بالنصب على الحال ، وقيل بدل