أبي حيان الأندلسي

309

تفسير البحر المحيط

معصف ومعصفة ، ووصفت هذه الريح بالعصف وبالرخاء والعصف الشدة في السير والرخاء اللين . فقيل : كان ذلك بالنسبة إلى الوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين فلم يتحد الزمان . وقيل : الجمع بين الوصفين كونها رخاء في نفسها طيبة كالنسيم عاصفة في عملها تبعد في مدة يسيرة كما قال تعالى * ( غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ) * . وقيل : الرخاء في البداءة والعصف بعد ذلك في التقول على عادة البشر في الإسراع إلى الوطن ، وهذا القول راجع إلى اختلاف الزمان وجريها بأمره طاعتها له على حسب ما يريد ، ويأمر . و * ( الاْرْضِ ) * أرض الشام وكانت مسكنه ومقر ملكه . وقيل : أرض فلسطين . وقيل : بيت المقدس . قال الكلبي كان يركب عليها من إصطخر إلى الشام . قيل : ويحتمل أن تكون * ( الاْرْضِ ) * التي يسير إليها سليمان كائنة ما كانت ووصفت بالبركة لأنه هذا حل أرضاً أصلحها بقتل كفارها وإثبات الإيمان فيها وبث العدل ، ولا بركة أعظم من هذا . والظاهر : أن * ( الَّتِى بَارَكْنَا ) * صفة للأرض . وقال منذر بن سعيد : الكلام تام عند قوله * ( إِلَى الاْرْضِ ) * و * ( الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ) * صفة للربح ففي الآية تقديم وتأخير ، يعني إن أصل التركيب ولسليمان الريح * ( الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ) * عاصفة تجري بأمره * ( إِلَى الاْرْضِ ) * . وعن وهب : كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره ، وكان لا يقعد عن الغزو فيأمر بخشب فيمد والناس عليه والدواب وآلة الحرب ، ثم يأمر العاصف فيقله ثم يأمر الرخاء فتمر به شهراً في رواحة وشهراً في غدوه وعن مقاتل : نسجت له الشياطين بساطاً ذهباً في إبريسم فرسخاً في فرسخ ، ووضعت له في وسطه منبراً من ذهب يقعد عليه وحوله كراسي من ذهب يقعد عليها الأنبياء ، وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء ، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين ، والطير تظله من الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح ، وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان ولا ينبغي أن يعتمد إلاّ على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . ولما كانت هذه الاختصاصات في غاية الغرابة من المعهود ، أخبر تعالى أن علمه محيط بالأشياء يجريها على ما سبق به علمه ، ولما ذكر تعالى تسخير الريح له وهي جسم شفاف لا يعقل وهي لا تدرك بالبصر ذكر تسخير الشياطين له ، وهم أجسام لطيفة تعقل والجامع بينهما أيضاً سرعة الانتقال ألا ترى إلى قوله * ( قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ) * * ( وَمِنْ ) * في موضع نصب أي وسخرنا * ( مِنْ * الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ ) * أو في موضع رفع على الابتداء ، والخبر في الجار والمجرور قبله . والظاهر أن * ( مِنْ ) * موصولة . وقال أبو البقاء : هي نكرة موصوفة ، وجمع الضمير في * ( يَغُوصُونَ ) * حملاً على معنى * ( مِنْ ) * وحسن ذلك تقدم جمع قبله كما قال الشاعر : * وإن من النسوان من هي روضة * يهيج الرياض قبلها وتصوح * لما تقدم لفظ النسوان حمل على معنى من فأنث ، ولم يقل من هو روضة والمعنى * ( يَغُوصُونَ ) * له في البحار لاستخراج اللآلىء ، ودل الغوص على المغاص فيه وعلى ما يغاص لاستخراجه وهو الجوهر ، فلذلك لم يذكر أو قال له أي لسليمان لأن الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره ، فذكر أن الغوص ليس لأنفسهم إنما هو لأجل سليمان وامتثالهم أمره والإشارة بذلك إلى الغوص أي دون الغوص من بناء المدائن والقصور كما قال * ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ ) * الآية . وقيل : الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من استخراجهم . * ( وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) * أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدّلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه . وقيل