أبي حيان الأندلسي
306
تفسير البحر المحيط
نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى الإقامة ، وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء وهو المقيس في مصدر أفعل إذا اعتلت عينه وحسن ذلك هنا أنه قابل * ( وَإِيتَاء ) * وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله * ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) * وقال الزجاج : فحذفت الهاء من إقامة لأن الإضافة عوض عنها انتهى . وهذا قول الفراء زعم أن تاء التأنيث قد تحذف للإضافة وهو مذهب مرجوح . ولما ذكر تعالى ما أنعم على إبراهيم ما أنعم به على من هاجر معه فارًّا بدينه وهو لوط ابن أخيه وانتصب * ( وَلُوطاً ) * على الاشتغال والحكم الذي أوتيه النبوة . وقيل : حسن الفصل بين الخصوم في القضاء . وقيل : حفظ صحف إبراهيم ، ولما ذكر الحكم ذكر ما يكون به وهو العلم و * ( القَرْيَةِ ) * سدوم وكانت قراهم سبعاً وعبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة ، وكانت من كورة فلسطين إلى حد السراة إلى حد نجد بالحجاز ، قلب منها تعالى ستاً وأبقى منها زغر لأنها كانت محل لوط وأهله ومن آمن به أي * ( وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ) * أهل * ( القَرْيَةِ ) * أي خلصناه منهم أو من العذاب الذي حل بهم ، ونسب عمل * ( الْخَبَائِثَ ) * إلى القرية مجازاً وهو لأهلها وانتصبْ * ( الْخَبَائِثَ ) * على معنى * ( تَّعْمَلُ ) * لأعمال أو الفعلات الخبيثة وهي ما ذكره تعالى في غير هذه السورة مضافاً إلى كفرهم بالله وتكذيبهم نبيه ، وقوله * ( أَنَّهُمْ ) * يدل على أن التقدير من أهل القرية * ( وَأَدْخَلْنَاهُ فِى رَحْمَتِنَا ) * أي في أهل رحمتنا أو في الجنة ، سماها رحمة إذ كانت أثر الرحمة . ولما ذكر تعالى قصة إبراهيم وهو أبو العرب وتنجيته من أعدائه ذكر قصة أبي العالم الإنسي كلهم وهو الأب الثاني لآدم لأنه ليس أحد من نسله من سام وحام ويافث ، وانتصب * ( نُوحاً ) * على إضمار اذكر أي واذكر * ( نُوحاً ) * أي قصته * ( إِذْ نَادَى ) * ومعنى نادى دعا مجملاً بقوله * ( أَنّى مَغْلُوبٌ ) * فانتصر مفصلاً بقوله * ( رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ) * والكرب أقصى الغم والأخذ بالنفس ، وهو هنا الغرق عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق ، وغرقت في بحر النيل ووصلت إلى قرار الأرض ولحقني من الغم والكرب ما أدركت أن نفسي صارت أصغر من البعوضة ، وهو أول أحوال مجيء الموت . * ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ) * عداه بمن لتضمنه معنى * ( نَجَّيْنَاهُ ) * بنصرنا * ( مِنَ الْقَوْمِ ) * أو عصمناه ومنعناه أي من مكروه القوم لقوله * ( أَفَمَنِ * يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءنَا ) * . وقال الزمخشري : هو نصر الذي مطاوعه انتصر ، وسمعت هذلياً يدعو على سارق : اللهم انصرهم منه أي اجعلهم منتصرين منه ، وهذا معنى في نصر غير المتبادر إلى الذهن . وقال أبو عبيدة * ( مِنْ ) * بمعنى على أي * ( وَنَصَرْنَاهُ ) * على * ( الْقَوْمَ ) * * ( فَأَغْرَقْنَاهُمْ ) * أي أهلكناهم بالغرق . و * ( أَجْمَعِينَ ) * تأكيد للضمير المنصوب وقد كثر التوكيد بأجمعين غير تابع لكلهم في القرآن ، فكان ذلك حجة على ابن مالك في زعمه أن التأكيد بأجمعين قليل ، وأن الكثير استعماله تابعاً لكلهم . * ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ) * عطف على * ( وَنُوحاً ) * . قال الزمخشري : * ( وَإِذَا ) * بدل منهما انتهى . والأجود أن يكون التقدير واذكر * ( دَاوُودُ * وَسُلَيْمَانَ ) * أي قصتهما وحالهما * ( إِذْ يَحْكُمَانِ ) * وجعل ابن عطية * ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ) * معطوفين على قوله * ( وَنُوحاً ) * معطوفاً على قوله * ( وَلُوطاً ) * فيكون ذلك مشتركاً في العامل الذي هو * ( ءاتَيْنَا ) * المقدرة الناصبة للوط المفسرة بآتينا فالتقدير وآتينا نوحاً وداود وسليمان أي آتيناهم * ( حُكْماً وَعِلْماً ) * ولا يبعد ذلك وتقدير اذكر قاله جماعة . وكان داود ملكاً نبياً يحكم بين الناس فوقعت هذه النازلة ، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي