أبي حيان الأندلسي

284

تفسير البحر المحيط

* ( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) * لأنهم مملوكون مستعبدون واقع منهم الخطأ كثيراً فهم جديرون أن يقال لهم لم فعلتم كذا . وقرأ الحسن : لا يُسَل ويُسَلُون بفتح السين نقل حركة الهمزة إلى السين وحذف الهمزة . ثم كرر تعالى عليهم الإنكار والتوبيخ فقال : * ( أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً ) * استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم ، وزاد في هذا التوبيخ قوله * ( مِن دُونِهِ ) * فكأنه وبخهم على قصد الكفر بالله عز وجل ، ثم دعاهم إلى الإتيان بالحجة على ما اتخذوا ولا حجة تقوم على أن الله تعالى شريكاً لا من جهة العقل ولا من جهة النقل ، بل كتب الله السابقة شاهدة بتنزيهه تعالى عن الشركاء والأنداد كما في الوحي الذي جئتكم به * ( هَاذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ ) * أي عظة للذين معي وهم أمته * ( وَذَكَرَ ) * للذين * ( مِّن قَبْلِى ) * وهم أمم الأنبياء ، فالذكر هنا مراد به الكتب الإلهية ويجوز أن يكون * ( هَاذَا ) * إشارة إلى القرآن . والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم ، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم . والمعنى على هذا عرض القرآن في معرض البرهان أي * ( هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ) * فهذا برهاني في ذلك ظاهر . وقرأ الجمهور : بإضافة * ( ذُكِرَ ) * إلى * ( مِنْ ) * فيهما على إضافة المصدر إلى المفعول كقوله * ( بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ ) * . وقرئ بتنوين * ( ذُكِرَ ) * فيهما و * ( مِنْ ) * مفعول منصوب بالذكر كقوله * ( أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ) * . وقرأ يحيى بن يعمر وطلحة بتنوين * ( ذُكِرَ ) * فيهما وكسر ميم * ( مِنْ ) * فيهما ، ومعنى * ( مَعِىَ ) * هنا عندي ، والمعنى * ( هَاذَا ذِكْرُ مَن ) * عندي و * ( مِّن قَبْلِى ) * أي أذكركم بهذا القرآن الذي عندي كما ذكر الأنبياء من قبلي أممهم ، ودخول * ( مِنْ ) * على مع نادر ، ولكنه اسم يدل على الصحبة والاجتماع أُجري مجرى الظرف فدخلت عليه * ( مِنْ ) * ) * كما دخلت على قبل وبعد وعند ، وضعف أبو حاتم هذه القراءة لدخول * ( * ) * كما دخلت على قبل وبعد وعند ، وضعف أبو حاتم هذه القراءة لدخول * ( مِنْ ) * على مع ولم ير لها وجهاً . وعن طلحة * ( ذُكِرَ ) * منوناً * ( مَعِىَ ) * دون * ( مِنْ ) * * ( وَذَكَرَ ) * منوناً * ( قَبْلِى ) * دون * ( مِنْ ) * . وقرأت فرقة * ( وَذِكْرُ مَن ) * بالإضافة * ( وَذَكَرَ ) * منوناً * ( مِّن قَبْلِى ) * بكسر ميم من . وقرأ الجمهور * ( الْحَقّ ) * بالنصب والظاهر نصبه على المفعول به فلا يعلمون أي أصل شرهم وفسادهم هو الجهل وعدم التمييز بين الحق والباطل ، ومن ثم جاء الإعراض عنه . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على معنى التوكيد لمضمون الجملة السابقة كما تقول : هذا عبد الله الحق لا الباطل ، فأكد نسبة انتفاء العلم عنهم ، والظاهر أن الإعراض متسبب عن انتفاء العلم لما فقدوا التمييز بين الحق والباطل أعرضوا عن الحق . وقال ابن عطية ثم حكم عليهم تعالى بأن * ( أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) * لإعراضهم عنه وليس المعنى * ( فَهُمْ مُّعْرِضُونَ ) * لأنهم لا يعلمون بل المعنى * ( فَهُمْ مُّعْرِضُونَ ) * ولذلك * ( لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) * وقرأ الحسن وحميد وابن محيصن * ( الْحَقّ ) * بالرفع . قال صاحب اللوامح : ابتداءً والخبر مضمر ، أو خبر والمبتدأ قبله مضمر . وقال ابن عطية : هذا القول هو * ( الْحَقّ ) * والوقف على هذه القراءة على * ( لاَّ يَعْلَمُونَ ) * . وقال الزمخشري : وقرئ * ( الْحَقّ ) * بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب ، والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل انتهى .