أبي حيان الأندلسي

270

تفسير البحر المحيط

والغنائم . وقيل : القناعة . وقيل : ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا . ولما أمره تعالى بالتسبيح في تلك الأوقات المذكورة ونهاه عن مد بصره إلى ما متع به الكفار أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة التي هي بعد الشهادة آكد أركان الإسلام ، وأمره بالاصطبار على مداومتها ومشاقها وأن لا يشتغل عنها ، وأخبره تعالى أن لا يسأله أن يرزق نفسه وأن لا يسعى في تحصيل الرزق ويدأب في ذلك ، بل أمره بتفريغ باله لأمر الآخرة ويدخل في خطابه عليه السلام أمته . وقرأ الجمهور * ( نَرْزُقُكَ ) * بضم القاف . وقرأت فرقة : منهم وابن وثاب بإدغام القاف في الكاف وجاء ذلك عن يعقوب . قال صاحب اللوامح : وإنما امتنع أبو عمرو من إدغام مثله بعد إدغامه * ( نَرْزُقُكُمْ ) * ونحوها لحلول الكاف منه طرفاً وهو حرف وقف ، فلو حرك وقفاً لكان وقوفه على حركة وكان خروجاً عن كلامهم . ولو أشار إلى الفتح لكان الفتح أخف من أن يتبعض بل خروج بعضه كخروج كله ، ولو سكن لأجحف بحرف . ولعل من أدغم ذهب مذهب من يقول جعفر وعامر وتفعل فيشدد وقفاً أو أدغم على شرط أن لا يقف بحال فيصير الطرف كالحشو انتهى . و * ( الْعَاقِبَةَ ) * أي الحميدة أو حسن العاقبة لأهل التقوى * ( وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ ) * هذه عادتهم في اقتراح الآيات كأنهم جعلوا ما ظهر من الآيات ليس بآيات ، فاقترحوا هم ما يختارون على ديدنهم في التعنت فأجيبوا بقوله * ( أَوَ لَمْ * تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الاْولَى ) * أي القرآن الذي سبق التبشيرية وبإيحائي من الرسل به في الكتب الإلهية السابقة المنزّلة على الرسل ، والقرآن أعظم الآيات في الإعجاز وهي الآية الباقية إلى يوم القيامة . وفي هذا الاستفهام توبيخ لهم . وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص * ( تَأْتِهِم ) * بالتاء على لفظ بينة . وقرأ باقي السبعة وأبو بحرية وابن محيصن وطلحة وابن أبي ليلى وابن مناذر وخلف وأبو عبيدة وابن سعدان وابن عيسى وابن جبير الأنطاكي يأتهم بالياء لمجاز تأنيث الآية والفصل . وقرأ الجمهور بإضافة * ( بَيّنَةً ) * إلى * ( مَا ) * وفرقة منهم أبو زيد عن أبي عمرو بالتنوين و * ( مَا ) * بدل . قال صاحب اللوامح : ويجوز أن يكون ما نفياً وأريد بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب . وقرأت فرقة بنصب * ( بَيّنَةً ) * والتنوين و * ( مَا ) * فاعل بتأتهم و * ( بَيّنَةً ) * نصب على الحال ، فمن قرأ يأتهم بالياء فعلى لفظ * ( مَا ) * ومن قرأ بالتاء راعى المعنى لأنه أشياء مختلفة وعلوم من مضى وما شاء الله . وقرأ الجمهور * ( فِى الصُّحُفِ ) * بضم الحاء ، وفرقة منهم ابن عباس بإسكانها والضمير في ضمن قبله يعود على البينة لأنها في معنى البرهان ، والدليل قاله الزمخشري والظاهر عوده على الرسول صلى الله عليه وسلم ) لقوله : * ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) * ولذلك قدره بعضهم قبل إرساله محمداً إليهم والذل والخزي مقترنان بعذاب الآخرة . وقيل * ( نَّذِلَّ ) * في الدنيا و * ( * نخزَى ) * في الآخرة . وقيل : الذل الهوان والخزي الافتضاح . وقرأ الجمهور * ( أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ) * مبنياً للفاعل ، وابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن علي والحسن في رواية عباد والعمري وداود والفزاري وأبو حاتم ويعقوب مبنياً للمفعول . * ( قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ) * أي منتظر منا ومنكم عاقبة أمره ، وفي ذلك تهديد لهم ووعيد وأفرد الخبر وهو * ( مُّتَرَبّصٌ ) * حملاً على لفظ * ( كُلٌّ ) * كقوله * ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) * والتربص التأني والانتظار للفرح و * ( مِنْ أَصْحَابِ ) * مبتدأ وخبر علق عنه ) * فستعلمون ) * وأجاز الفراء أن تكون ما موصولة بمعنى الذي فتكون مفعولة بفستعلمون و * ( * ) * فستعلمون ) * وأجاز الفراء أن تكون ما موصولة بمعنى الذي فتكون مفعولة بفستعلمون و * ( * ) * وأجاز الفراء أن تكون ما موصولة بمعنى الذي فتكون مفعولة بفستعلمون و * ( أَصْحَابُ ) * خبر مبتدأ محذوف تقديره الذي هم أصحاب ، وهذا جار على مذهب الكوفيين إذ يجيزون حذف مثل هذا الضمير مطلقاً سواء كان في الصلة طول أم لم يكن وسواء كان الموصول أياً أم غيره . وقرأ الجمهور * ( السَّوِيّ ) * على وزن فعيل أي المستوي . وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير السواء أي الوسط . وقرأ الجحدري وابن يعمر السوأى على وزن فعلى أنث لتأنيث * ( الصّراطِ ) * وهو مما يذكر ويؤنث تأنيث الأسواء من السوأى على ضد الاهتداء قوبل به * ( وَمَنِ اهْتَدَى ) * على الضد ومعناه * ( فَسَتَعْلَمُونَ ) * أيها الكفار من على الضلال ومن على الهدى ، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس الصراط السوء وقد روي عنهما أنهما قرآ السوأى على وزن فعلى ، فاحتمل أن يكون أصله السووي إذ روي ذلك عنهما فخفف الهمزة بإبدالها واوا