أبي حيان الأندلسي
244
تفسير البحر المحيط
ذلك قاله الحسن * ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) * ردّ على قوله * ( أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ) * أي وثواب الله وما أعده لمن آمن به ، روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائماً ففعل فوجده ويحرسه عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه ويظهر من قولهم أئن لنا لأجراً عدم الإكراه . * ( إِنَّهُ مَن يَأْتِ * إِلَىَّ مِنْ * تَزَكَّى ) * قيل هو حكاية لهم عظة لفرعون . وقيل : خبر من الله لا على وجه الحكاية تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة موعظة وتحذيراً ، والمجرم هنا الكافر لذكر مقابله * ( وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً ) * ولقوله * ( لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ) * أي يعذب عذاباً ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح ، بل يعاد جلده ويجدد عذابه فهو لا يحيا حياة طيبة بخلاف المؤمن الذي يدخل النار فهم يقاربون الموت ولا يجهز عليهم فهذا فرق بين المؤمن والكافر . وفي الحديث ( إنهم يماتون إماتة ) وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة و * ( تَزَكَّى ) * تطهَّر من دنس الكفر . وقيل : قال لا إله إلا الله . * ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى الْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى فَأَتْبَعَهُمْ ) * . هذا استئناف إخبار عن شيء من أمر موسى عليه السلام وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان ، حدث فيها لموسى وفرعون حوادث ، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقَويَ أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل ، فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه ، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف العذاب ، فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى فلما كملت الآيات أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن يخرج بني إسرائيل في الليل سارياً والسَري مسير الليل . ويحتمل أنْ * ( ءانٍ ) * تكون مفسرة وأن تكون الناصبة للمضارع و * ( بِعِبَادِى ) * إضافة تشريف لقوله * ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ) * والظاهر أن الإيحاء إليه بذلك وبأن يضرب البحر كان متقدماً بمصر على وقت اتباع فرعون موسى وقومه بجنوده . وقيل : كان الوحي بالضرب حين قارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل ، ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان ، فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم ، واتصل الخبر فرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحى الله إلى موسى أن يقصد البحر فجزع بنو إسرائيل ، ورأوا أن العدو من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله ، فلما رآهم فرعون قد نهضوا نحو البحر طمع فيهم وكان مقصدهم إلى موضع ينقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة . قيل : وكان في خيل فرعون سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان . وقيل : أكثر من هذا فضرب موسى عليه السلام البحر فانفرق اثنتي عشرة فرقة طرقاً واسعة بينها حيطان الماء واقفة ، ويدل عليه فكان كل فرق كالطود العظيم . وقيل : بل هو طريق واحد لقوله * ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى الْبَحْرِ يَبَساً ) * انتهى . وقد يراد بقوله * ( طَرِيقاً ) * الجنس فدخل موسى عليه السلام بعد أن بعث الله ريح الصبا فجففت تلك الطرق حتى يبست ودخل بنو إسرائيل ، ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في