أبي حيان الأندلسي

26

تفسير البحر المحيط

فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه . وقال ابن عطية : استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك ، وبولغ بذكر الذل هنا ولم يذكر في قوله : * ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * وذلك بسبب عظم الحق انتهى . وبسبب شرف المأمور فإنه لا يناسب نسبة الذل إليه . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى * ( جَنَاحَ الذُّلّ ) * ؟ قلت : فيه وجهان . أحدهما : أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك كما قال : * ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * فأضافه إلى الذل أو الذل كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول . والثاني : أن يجعل لذله أو لذله جناحاً خفيضاً كما جعل لبيد للشمال يداً ، وللقرة زماناً مبالغة في التذلل والتواضع لهما انتهى . والمعنى أنه جعل اللين ذلاً واستعار له جناحاً ثم رشح هذا المجاز بأن أمر بخفضه . وحكي أن أبا تمام لما نظم قوله : * لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائياً * جاءه رجل بقصعة وقال له أعطني شيئاً من ماء الملام ، فقال له : حتى تأتيني بريشة من جناح الذل . وجناحاً الإنسان جانباه ، فالمعنى واخفض لهما جانبك ولا ترفعه فعل المتكبر عليهما . وقال بعض المتأخرين فأحسن : * أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى * فلم أستطع من أرضهم طيرانا * وقرأ الجمهور * ( مَّنَ الذُّلّ ) * بضم الذال . وقرأ ابن عباس وعروة بن جبير والجحدري وابن وثاب بكسر الذال وذلك على الاستعارة في الناس لأن ذلك يستعمل في الدواب في ضد الصعوبة ، كما أن الذل بالضم في ضد الغير من الناس ، ومن الظاهر أنها للسبب أي الحامل لك على خفض الجناح هو رحمتك لهما إذ صارا مفتقرين لك حالة الكبر كما كنت مفتقراً إليهما حالة الصغر . قال أبو البقاء : * ( مِنَ الرَّحْمَةِ ) * أي من أجل الرحمة ، أي من أجل رفقك بهما فمن متعلقة ب ( اخفض ) ، ويجوز أن يكون حالاً من جناح . وقال ابن عطية : من الرحمة هنا لبيان الجنس أي أن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكمنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالاً ، ويصح أن يكون ذلك لابتداء الغاية انتهى . ثم أمره تعالى بأن يدعو الله بأن يرحمهما رحمته الباقية إذ رحمته عليهما لا بقاء لها . ثم نبَّه على العلة الموجبة للإحسان إليهما والبر بهما واسترحام الله لهما وهي تربيتهما له صغيراً ، وتلك الحالة مما تزيده اشفاقاً ورحمة لهما إذ هي تذكير لحالة إحسانهما إليه وقت أن لا يقدر على الإحسان لنفسه . وقال قتادة : نسخ الله من هذه الآية هذا اللفظ يعني * ( وَقُل رَّبّ ارْحَمْهُمَا ) * بقوله تعالى : * ( مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ) * وقيل : هي مخصوصة في حق المشركين . وقيل لا نسخ ولا تخصيص لأن له أن يدعو الله لوالديه الكافرين بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان ، والظاهر أن الكاف في * ( كَمَا ) * للتعليل أي * ( رَّبّ ارْحَمْهُمَا ) * لتربيتهما لي وجزاء على إحسانهما إليّ حالة الصغر والافتقار . وقال الحوفي : الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره رحمة مثل