أبي حيان الأندلسي

230

تفسير البحر المحيط

فيها أن يشرك أخاه هارون فذكر الله أنه آتاه سؤله وكان منه إشراك أخيه ، فأمره هنا وأخاه بالذهاب و * ( أَخُوكَ ) * معطوف على الضمير المستكن في * ( اذْهَبْ أَنتَ * وَرَبُّكَ ) * في سورة المائدة وقول بعض النحاة ، أن * ( وَرَبُّكَ ) * مرفوع على إضمار فعل ، أي وليذهب ربك وذلك البحث جار هنا . وروي أن الله أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى . وقيل : سمع بمقدمه . وقيل : ألهم ذلك وظاهر * ( بِآيَاتِي ) * الجمع . فقيل : هي العصا ، واليد ، وعقدة لسانه . وقيل : اليد ، والعصا . وقد يطلق الجمع على المثنى وهما اللتان تقدم ذكرهما ولذلك لما قال : فائت بآية ألقى العصا ونزع اليد ، وقال : فذانك برهانان . وقيل العصا مشتملة على آيات انقلابها حيواناً ، ثم في أول الأمر كانت صغيرة ثم عظمت حتى صارت ثعباناً ، ثم إدخال موسى يده في فمها فلا تضرّه . وقيل : ما أعطي من معجزة ووحي . * ( وَلاَ ) * أي لا تضعفا ولا تقصرا . وقيل : تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما ، ويجوز أن يراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على سائر العبادات ، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها ، فكان جديراً أن يطلق عليه اسم الذكر . وقرأ ابن وثاب : ولا تِنَيَا بكسر التاء اتّباعاً لحركة النون . وفي مصحف عبد الله ولا تهنا أي ولا تلنا من قولهم هين لين ، ولما حذف من يذهب إليه في الأمر قبله نص عليه في هذا الأمر الثاني . فقيل : * ( ذِكْرِى اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ ) * أي بالرسالة وأبعد من ذهب إلى أنهما أمرا بالذهاب أولاً إلى الناس وثانياً إلى فرعون ، فكرر الأمر بالذهاب لاختلاف المتعلق ، ونبه على سبب الذهاب إليه بالرسالة من عنده بقوله * ( إِنَّهُ طَغَى ) * أي تجاوز الحد في الفساد ودعواه الربوبية والإلاهية من دون الله . والقول اللين هو مثل ما في النازعات * ( هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبّكَ فَتَخْشَى ) * وهذا من ليف الكلام إذ أبرز ذلك في صورة الاستفهام والمشورة والعرض لما فيه من الفوز العظيم . وقيل : عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته . وقيل : لا تجبهاه بما يكره وألطفا له في القول لما له من حق تربية موسى . وقيل : كنياه وهو ذو الكنى الأربع أبو مرة ، وأبو مصعب ، وأبو الوليد ، وأبو العباس . وقيل : القول اللين لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له ، ولِينها خفتها على اللسان . وقال الحسن : هو قولهما إن لك ربًّا وإن لك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً فآمن بالله يدخلك الجنة يقك عذاب النار . وقيل : أمرهما تعالى أن يقدما المواعيد على الوعيد كما قال الشاعر : * أقدم بالوعد قبل الوعيد * لينهى القبائل جهالها * وقيل : حين عرض عليه موسى وهارون عليهما السلام ما عرضا شاور آسية فقالت : ما ينبغي لأحد أن يرد هذا فشاور هامان وكان لا يبت أمراً دون رأيه ، فقال له : كنت أعتقد أنك ذو عقل تكون مالكاً فتصير مملوكاً ورباً فتصير مربوباً فامتنع من قبول ما عرض عليه موسى ، والترجي بالنسبة لهما إذ هو مستحيل وقوعه من الله تعالى أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه ، وفائدة إرسالهما مع علمه تعالى أنه لا يؤمن إقامة الحجة عليه وإزالة المعذرة كما قال تعالى : * ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ ) * الآية . وقيل : القول اللين ما حكاه الله هنا وهو * ( فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ * إِلَى * قَوْلُهُ * وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) * وقال أبو معاذ : * ( قَوْلاً لَّيّناً ) * وقال الفراء لعل هنا بمعنى كي أي كي يتذكر أو يخشى كما تقول : اعمل لعلك تأخذ أجرك ، أي كي تأخذ أجرك . وقيل : لعل هنا استفهام أي هل يتذكر أو يخشى ، والصحيح أنها على بابها من الترجِّي وذلك بالنسبة إلى البشر وفي قوله * ( لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) * دلالة على أنه لم يكن شاكاً في الله . وقيل :