أبي حيان الأندلسي

24

تفسير البحر المحيط

انتهى . وهذا الذي ذكره مخالف لمذهب سيبويه لأن مذهبه أنه يجوز أن يجمع بين إما ونون التوكيد ، وأن يأتي بأن وحدها ونون التوكيد ، وأن يأتي بإما وحدها دون نون التوكيد . وقال سيبويه في هذه المسألة : وإن شئت لم تقحم النون كما أنك إن شئت لم تجيء بما يعني مع النون وعدمها ، وعندك ظرف معمول ليبلغن ، ومعنى العندية هنا أنهما يكونان عنده في بيته وفي كنفه لا كافل لهما غيره لكبرهما وعجزهما ، ولكونهما كلاً عليه وأحدهما فاعل * ( يَبْلُغَنَّ ) * و * ( أَوْ كِلاَهُمَا ) * معطوف على * ( أَحَدُهُمَا ) * . وقرأ الجمهور * ( يَبْلُغَنَّ ) * بنون التوكيد الشديدة والفعل مسند إلى * ( أَحَدُهُمَا ) * . وروي عن ابن ذكوان بالنون الخفيفة . وقرأ الأخوان : إما يبلغان بألف التثنية ونون التوكيد المشدّدة وهي قراءة السلمي وابن وثاب وطلحة والأعمش والجحدري . فقيل الألف علامة تثنية لا ضمير على لغة أكلوني البراغيث ، وأحدهما فاعل و * ( أَوْ كِلاَهُمَا ) * عطف عليه ، وهذا لا يجوز لأن شرط الفاعل في الفعل الذي لحقته علامة التثنية أن يكون مسند المثنى أو معرف بالعطف بالواو ، ونحو قاما أخواك أو قاما زيد وعمرو على خلاف في هذا الأخير هل يجوز أو لا يجوز ، والصحيح جوازه و * ( أَحَدُهُمَا ) * ليس مثنى ولا هو معرف بالعطف بالواو مع مفرد . وقيل : الألف ضمير الوالدين و * ( أَحَدُهُمَا ) * بدل من الضمير و * ( كِلاَهُمَا ) * عطف على * ( أَحَدُهُمَا ) * والمعطوف على البدل بدل . وقال الزمخشري . فإن قلت : لو قيل إما يبلغان * ( كِلاَهُمَا ) * كان * ( كِلاَهُمَا ) * توكيداً لا بدلاً ، فمالك زعمت أنه بدل ؟ قلت : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله . فإن قلت : ما ضرك لو جعلته توكيداً مع كون المعطوف عليه بدلاً وعطفت التوكيد على البدل ؟ قلت : لو أريد توكيد التثنية لقيل * ( كِلاَهُمَا ) * فحسب فلما قيل * ( أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ) * علم أن التوكيد غير مراد فكان بدلاً مثل الأول . وقال ابن عطية : وعلى هذه القراءة الثالثة يعني يبلغانّ يكون قوله * ( أَحَدُهُمَا ) * بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر : * وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * وأخرى رمى فيها الزمان فشلت * انتهى . ويلزم من قوله أن يكون * ( كِلاَهُمَا ) * معطوفاً على * ( أَحَدُهُمَا ) * وهو بدل ، والمعطوف على البدل بدل ، والبدل مشكل لأنه يلزم منه أن يكون المعطوف عليه بدلاً ، وإذا جعلت * ( أَحَدُهُمَا ) * بدلاً من الضمير فلا يكون إلاّ بدل بعض من كل ، وإذا عطفت عليه * ( كِلاَهُمَا ) * فلا جائز أن يكون بدل بعض من كل ، لأن * ( كِلاَهُمَا ) * مرادف للضمير من حيث التثنية ، فلا يكون بدل بعض من كل ، ولا جائز أن يكون بدل كل من كل لأن المستفاد من الضمير التثنية وهو المستفاد من * ( كِلاَهُمَا ) * فلم يفد البدل زيادة على المبدل منه . وأما قول ابن عطية وهو بدل مقسم كقول الشاعر : وكنت كذي رجلين البيت فليس من بدل التقسيم لأن شرط ذلك العطف بالواو ، وأيضاً فالبدل المقسم لا يصدق المبدل فيه على