أبي حيان الأندلسي
217
تفسير البحر المحيط
قدماه تربته وروى أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي . و * ( الْمُقَدَّسِ ) * المطهر و * ( طُوًى ) * اسم علم عليه فيكون بدلاً أو عطف بيان . وقرأ الحسن والأعمش وأبو حيوة وابن أبي إسحاق وأبو السمال وابن محيص بكسر الطاء منوناً . وقرأ الكوفيون وابن عامر بضمها منوناً . وقرأ الحرميان وأبو عمرو بضمها غير منون . وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون . وقرأ عيس بن عمر والضحاك طاوى أذهب فمن نون فعلى تأويل المكان ، ومن لم ينون وضم الطاء فيحتمل أن يكون معدولاً عن فعل نحو زفر وقثم ، أو أعجمياً أو على معنى البقعة ، ومن كسر ولم ينون فمنع الصرف باعتبار البقعة . وقال الحسن : * ( طُوًى ) * بكسر الطاء والتنوين مصدر ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين فهو بوزن الثناء وبمعناه وذلك لأن الثنا بالكسر والقصر الشيء الذي تكرره ، فكذلك الطوى على هذه القراءة . وقال قطرب * ( طُوًى ) * من الليل أي ساعة أي قدس لك في ساعة من الليل لأنه نودي بالليل ، فلحق الوادي تقديس محدد أي * ( إِنَّكَ * إِذْ نَادَاهُ ) * ليلاً . قرأ طلحة والأعمش وابن أبي ليلى وحمزة وخلف في اختياره وأما بفتح الهمزة وشد النون اخترناك بنون العظمة . وقرأ السلمي وابن هرمز والأعمش في رواية * ( وَأَنَا ) * والألف عطفاً على * ( إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ) * لأنهم كسروا ذلك أيضاً ، والجمهور * ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) * بضمير المتكلم المفرد غير المعظم نفسه . وقرأ أُبَيّ وأني بفتح الهمزة وياء المتكلم * ( اخْتَرْتُكَ ) * بتاء عطفاً على * ( إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ) * ومفعول * ( اخْتَرْتُكَ ) * الثاني المتعدي إليه بمن محذوف تقديره من قومك . والظاهر أن * ( لِمَا يُوحَى ) * من صلة استمع وما بمعنى الذي . وقال الزمخشري وغيره : * ( لَّمّاً * يُوحِى ) * للذي يوحى أو للوحي ، فعلق اللام باستمع أو باخترتك انتهى . ولا يجوز التعليق باخترتك لأنه من باب الأعمال فيجب أو يختار إعادة الضمير مع الثاني ، فكان يكون فاستمع له لما يوحى فدل على أنه إعمال الثاني . وقال أبو الفضل الجوهري : لما قيل لموسى صلوات الله على نبينا وعليه استمع لما يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره ، ووقف ليستمع وكان كل لباسه صوفاً . وقال وهب : أدب الاستماع سكون الجوارح وغض البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع لما يحب الله وحذف الفاعل في * ( يُوحَى ) * للعلم به ويحسنه كونه فاصلة ، فلو كان مبنياً للفاعل لم يكن فاصلة والموحى قوله * ( إِنّى أَنَا اللَّهُ ) * إلى آخره معناه وحّدني كقوله تعالى * ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * إلى آخر الجمل جاء ذلك تبييناً وتفسيراً للإبهام في قوله * ( لِمَا يُوحَى ) * . وقال المفسرون * ( فَاعْبُدْنِى ) * هنا وحدني كقوله تعالى * ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * معناه ليوحدون ، والأولى أن يكون * ( فَاعْبُدْنِى ) * لفظ يتناول ما كلفه به من العبادة ، ثم عطف عليه ما هو قد يدخل تحت ذلك المطلق فبدأ بالضلالة إذ هي أفضل الأعمال وأنفعها في الآخرة ، والذكر مصدر يحتمل أن يضاف إلى الفاعل أي ليذكرني فإن ذكري أن اعبدو يصلي لي أو ليذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، ويحتمل أن تضاف إلى المفعول أي لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق ، أو لأن تذكرني خاصة لا تشو به بذكر غيري أو خلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر ، أو لتكون لي ذاكراً غير ناسٍ فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على إبل منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به كما قال * ( لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ) * أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله * ( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَواةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً ) * واللام على هذا القول مثلها في قوله * ( أَقِمِ الصَّلَواةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) * وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها من قوله عليه الصلاة والسلام : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) . قال الزمخشري : وكان حق العبادة أن يقال لذكرها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )