أبي حيان الأندلسي

197

تفسير البحر المحيط

موضعين هذا أحدهما . قال : وقد أعرب سيبويه أياً وهي مفردة لأنها تضاف فكيف يبنيها وهي مضافة ؟ . و * ( عَلَى الرَّحْمَانِ ) * متعلق بأشد . و * ( عِتِيّاً ) * تمييز محول من المبتدأ تقديره * ( أَيُّهُم ) * هو عتوه * ( أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ ) * وفي الكلام حذف تقديره فيلقيه في أشد العذاب ، أو فيبدأ بعذابه ثم بمن دونه إلى آخرهم عذاباً . وفي الحديث : ( إنه تبدو عنق من النار فتقول : إني أمرت بكل جبار عنيد فتلتقطهم ) . وفي بعض الآثار : ( يحضرون جميعاً حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم الأكفر فالأكفر ) . قال ابن عباس : * ( عِتِيّاً ) * جراءة . وقال مجاهد : فجراً . وقيل : افتراء بلغة تميم . وقيل : * ( عِتِيّاً ) * جمع عات فانتصابه على الحال . * ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ ) * أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئاً غير موضعه ، لأنا قد أحطنا علماً بكل واحد فأولى بصلى النار نعلمه . قال ابن جريج : أولى بالخلود . وقال الكلبي * ( صِلِيّاً ) * دخولاً . وقيل : لزوماً . وقيل : جمع صال فانتصب على الحال وبها متعلق بأولى . والواو في قوله * ( وَإِن مّنكُمْ ) * للعطف . وقال ابن عطية : * ( وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) * قسم والواو تقتضيه ، ويفسره قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ) : ( من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلاّ تحلة القسم ) . انتهى . وذهل عن قول النحويين أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلاّ إذا كان الجواب باللام أو بأن ، والجواب هنا جاء على زعمه بأن النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا . وقوله والواو تقتضيه يدل على أنها عنده واو القسم ، ولا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار ، ولا يجوز ذلك إلاّ إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما أولوا في قولهم : نعم السير على بئس العير ، أي على عير بئس العير . وقول الشاعر : والله ما زيد بنام صاحبه أي برجل نام صاحبه . وهذه الآية ليست من هذا الضرب إذ لم يحذف المقسم به وقامت صفته مقامه . وقرأ الجمهور * ( مّنكُمْ ) * بكاف الخطاب ، والظاهر أنه عام للخلق وأنه ليس الورود الدخول لجميعهم ، فعن ابن مسعود والحسن وقتادة هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها . وعن ابن عباس : قد يرد الشيء ولم يدخله كقوله * ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ) * ووردت القافلة البلد ولم تدخله ، ولكن قربت منه أو وصلت إليه . قال الشاعر : * فلما وردن الماء زرقاً جمامة * وضعن عصى الحاضر المتخيم * وتقول العرب : وردنا ماء بني تميم وبني كلب إذا حضروهم ودخلوا بلادهم ، وليس يراد به الماء بعينه . وقيل : الخطاب للكفار أي قل لهم يا محمد فيكون الورود في حقهم الدخول ، وعلى قول من قال الخطاب عام وأن المؤمنين والكافرين يدخلون النار ولكن لا تضر المؤمنين ، وذكروا كيفية دخول المؤمنين النار بما لا يعجبني نقله في كتابي هذا الشناعة قولهم أن المؤمنين يدخلون النار وإن لم تضرهم . وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة وإن منهم : بالهاء للغيبة على ما تقدم من الضمائر . وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالورود جثوهم حولها وإن أريد الكفار خاصة فالمعنى بيِّن ، واسم * ( كَانَ ) * مضمر يعود على الورود أي كان ورودهم حتماً أي واجباً قضي به . وقرأ الجمهور * ( ثُمَّ ) * بحرف العطف وهذا يدل