أبي حيان الأندلسي
193
تفسير البحر المحيط
ذلك فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلاّ بأمر المليك ومشيئته ، والمعنى أنه محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلاّ صادراً عما توجبه حكمته ويأمرنا ويأذن لنا فيه انتهى . وقال البغوي : له علم ما بين أيدينا . وقال أبو مسلم وابن بحر : * ( وَمَا نَتَنَزَّلُ ) * الآية ليس من كلام الملائكة وإنما هو من كلام أهل الجنة بعضهم لبعض إذا دخلوها وهي متصلة بالآية الأولى إلى قوله * ( وَمَا بَيْنَ ذالِكَ ) * أي ما ننزل الجنة إلاّ بأمر ربك له * ( مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ) * أي في الجنة مستقبلاً * ( وَمَا خَلْفَنَا ) * مما كان في الدنيا وما بينهما أي ما بين الوقتين . وحكى الزمخشري هذا القول فقال : وقيل هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة أي وما ننزل الجنة إلاّ بإذن من الله علينا بثواب أعمالنا وأرنا بدخولها وهو الملك لرقاب الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة ، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها والمجازي عليها . ثم قال تعالى تقريراً لهم * ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ) * لأعمال العاملين غافلاً عما يجب أن يثابوا به ، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذي ملكوت السماوات والأرض وما بينهما انتهى . وقال القاضي : هذا مخالف للظاهر من وجوه . أحدهما : أن ظاهر التنزيل نزول الملائكة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولقوله * ( بِأَمْرِ رَبّكَ ) * فظاهر الأمر بحال التكليف أليق . وثانيها : خطاب من جماعة لواحد ، وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة . وثالثها : أن ما في مساقه * ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبّ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ * وَمَا بَيْنَهُمَا ) * لا يليق بحال التكليف ولا يوصف به الرسول انتهى . وقرأ الجمهور * ( وَمَا نَتَنَزَّلُ ) * بالنون عنى جبريل نفسه والملائكة . وقرأ الأعرج بالياء على أنه خبر من الله . قيل : والضمير في يتنزل عائد على جبريل عليه السلام . قال ابن عطية : ويردّه له * ( مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ) * لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أن القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل ، والضمير للوحي انتهى . ويحمل ذلك القول على إضمار أي وما يتنزل جبريل إلاّ بأمر ربك قائلاً له * ( مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ) * أي يقول ذلك على سبيل الاستعذار في البطء عنك بأن ربك متصرف فينا ليس لنا أن نتصرف إلاّ بمشيئته ، وإخبار أنه تعالى ليس بناسيك وإن تأخر عنك الوحي . وارتفع * ( رَبّ * السَّمَاوَاتِ ) * على البدل أو على خبر مبتدأ محذوف . وقرأ الجمهور * ( هَلْ تَعْلَمُ ) * بإظهار اللام عند التاء . وقرأ الأخوان وهشام وعليّ بن نصر وهارون كلاهما عن أبي عمرو والحسن والأعمش وعيسى وابن محيصن بالإدغام فيهما . قال أبو عبيدة هما لغتان وعلى الإدغام أنشدوا بيت مزاحم العقيلي : * فذرذا ولكن هثعين متيما * على ضوء برق آخر الليل ناصب وعدي فاصطبر باللام على سبيل التضمين أي أثبت بالصبر لعبادته لأن العبادة تورد شدائد ، فاثبت لها وأصله التعدية بعلى كقوله تعالى * ( وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) * والسميّ من توافق في الاسم تقول : هذا سميك أي اسمه مثل اسمك ، فالمعنى أنه لم يسم بلفظ الله شيء قط ، وكان المشركون يسمون أصنامهم آلهة والعزّى إله وأما لفظ الله فلم يطلقوه على شيء من أصنامهم . وعن ابن عباس : لا يسمى أحد الرحمن غيره . وقيل : يحتمل أن يعود ذلك على قوله * ( رَبّ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ * وَمَا بَيْنَهُمَا ) * أي هل تعلم من يسمى أو يوصف بهذا الوصف ، أي ليس أحد من الأمم يسمى