أبي حيان الأندلسي
179
تفسير البحر المحيط
اللفظ لا يكون الذات . وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال : بألف جعله فعلاً ماضياً * ( الْحَقّ ) * برفع القاف على الفاعلية ، والمعنى قال الحق وهو الله * ( ذالِكَ ) * الناطق الموصوف بتلك الأوصاف هو * ( عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ) * و * ( الَّذِى ) * على هذا خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي . وقرأ عليّ كرم الله وجهه والسلمي وداود بن أبي هند ونافع في رواية والكسائي في رواية * ( تَمْتَرُونَ ) * بتاء الخطاب والجمهور بياء الغيبة ، وامترى افتعل إما من المرية وهي الشك ، وإما من المراء وهو المجادلة والملاحاة ، وكلاهما مقول هنا قالت اليهود ساحر كذاب ، وقالت النصارى ابن الله وثالثها ثلاثة وهو الله * ( مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن * وَلَدِهِ ) * هذا تكذيب للنصارى في دعواهم أنه ابن الله ، وإذا استحالت البنوة فاستحالة الإلهية مستقلة أو بالتثليث أبلغ في الاستحالة ، وهذا التركيب معناه الانتفاء فتارة يدل من جهة المعنى على الزجر * ( مَا كَانَ لاهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاْعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ ) * وتارة على التعجيز * ( مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ) * وتارة على التنزيه كهذه الآية ، ولذلك أعقب هذا النفي بقوله * ( سُبْحَانَهُ ) * أي تنزه عن الولد إذ هو مما لا يتأتى ولا يتصور في المعقول ولا تتعلق به القدرة لاستجالته ، إذ هو تعالى متى تعلقت إرادته بإيجاد شيء أو جده فهو منزه عن التوالد . وتقدم الكلام على الجملة من قوله * ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ) * . وقرأ الجمهور * ( وَأَنَّ اللَّهَ ) * بكسر الهمزة على الاستئناف . وقرأ أبي بالكسر دون واو ، وقرأ الحرميان وأبو عمرو * ( وَأَنْ ) * بالواو وفتح الهمزة ، وخرجه ابن عطية على أن يكون معطوفاً على قوله هذا * ( قَوْلَ الْحَقّ ) * * ( وَإِنَّ اللَّهَ رَبّى ) * كذلك . وخرجه الزمخشري على أن معناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه كقوله * ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) * انتهى . وهذا قول الخليل وسيبويه وفي حرف أبي أيضاً ، وبأن * ( اللَّهِ ) * بالواو وباء الجر أي بسبب ذلك فاعبدوه . وأجاز الفراء في * ( وَأَنْ ) * يكون في موضع خفض معطوفاً على والزكاة ، أي * ( وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ ) * وبأن الله ربي وربكم انتهى . وهذا في غاية البعد للفصل الكثير ، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى الأمر * ( إِنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ ) * . وحكى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أن يكون المعنى ، وقضى * ( إِنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ ) * فهي معطوفة على قوله * ( أمْراً ) * من قوله * ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ) * والمعنى * ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ) * وقضى * ( إِنَّ اللَّهَ ) * انتهى . وهذا تخبيط في الإعراب لأنه إذا كان معطوفاً على * ( أمْراً ) * كان في حيز الشرط ، وكونه تعالى ربنا لا يتقيد بالشرط وهذا يبعد أن يكون قاله أبو عمرو بن العلاء فإنه من الجلالة في علم النحو بالمكان الذي قل أن يوازنه أحد مع كونه عربياً ، ولعل ذلك من فهم أبي عبيدة فإنه يضعف في النحو والخطاب في قول * ( وَرَبّكُمْ ) * قيل لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم ) من اليهود والنصارى أمر الله تعالى أن يقول لهم * ( ذالِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * أي قل لهم يا محمد هذا الكلام . وقيل : الخطاب للذين خاطبهم عيسى بقوله * ( إِنّى عَبْدُ اللَّهِ ) * الآية وإن الله معطوف على الكتاب ، وقد قال وهب عهد عيسى إليهم * ( إِنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ ) * ومن كسر الهمزة عطف على قوله * ( إِنّى عَبْدُ اللَّهِ ) * فيكون محكياً . يقال : وعلى هذا القول يكون قوله * ( ذالِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ * إِلَى * وَأَنَّ اللَّهَ ) * حمل اعتراض أخبر الله تعالى بها رسوله عليه السلام . والإشارة بقوله * ( هَاذَا ) * أي القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة ، هو الطريق المستقيم الذي يفضي بقائله ومعتقده إلى النجاة * ( فَاخْتَلَفَ الاْحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ) * هذا إخبار من الله للرسول بتفرق بني إسرائيل فرقاً ، ومعنى * ( مِن بَيْنِهِمْ ) * أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين لم يقع الاختلاف سببه غيرهم . و * ( الاْحَزَابِ ) * قال الكلبي : اليهود والنصارى . وقال الحسن : الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس انتهى . فالضمير في * ( بَيْنَهُمْ ) * على هذا ليس عائداً على * ( الاْحَزَابِ ) * . وقيل : * ( الاْحَزَابِ ) * هنا المسلمون واليهود والنصارى . وقيل : هم النصارى فقط . وعن قتادة إن بني إسرائيل جمعوا أربعة من أحبارهم . فقال أحدهم : عيسى هو الله نزل إلى الأرض وأحيا من أحيا وأمات من أمات ، فكذبه الثلاثة واتبعته اليعقوبية . ثم قال أحد الثلاثة : عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعته النسطورية ، وقال أحد الاثنين : عيسى أحد ثلاثة الله إله ، ومريم إله ، وعيسى إله فكذبه