أبي حيان الأندلسي
124
تفسير البحر المحيط
الكلام على هذه الجملة في أواخر البقرة . وتمنيه انتفاء الشرك الظاهر أنه صدر منه ذلك في حالة الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة ، وفي ذلك زجر للكفرة من قريش وغيرهم لئلا يجيء لهم حال يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم ، قيل : أرسل الله عليها ناراً فأكلتها فتذكر موعظة أخيه ، وعلم أنه أتى من جهة شركة وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً . وقال بعض المفسرين : هي حكاية عن قول الكافر هذه القالة في الآخرة ، ولما افتخر بكثرة ماله وعزة نفره أخبر تعالى أنه لم تكن * ( لَّهُ فِئَةٌ ) * أي جماعة تنصره ولا كان هو منتصراً بنفسه ، وجمع الضمير في * ( يَنصُرُونَهُ ) * على المعنى كما أفرده على اللفظ في قوله * ( فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ) * واحتمل النفي أن يكون منسحباً على القيد فقط ، أي له فئة لكنه لا يقدر على نصره . وأن يكون منسحباً على القيد ، والمراد انتفاؤه لانتفاء ما هو وصف له أي لا فئة فلا نصر وما كان منتصراً بقوة عن انتقام الله . وقرأ الأخوان ومجاهد وابن وثاب والأعمش وطلحة وأيوب وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير ولم يكن بالياء لأن تأنيث الفئة مجاز . وقرأ باقي السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة بالتاء . وقرأ ابن أبي عبلة * ( فِئَةٌ ) * تنصره على اللفظ والحقيقة في هنالك أن يكون ظرف مكان للبعد ، فالظاهر أنه أشير به لدار الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله كقوله * ( لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) * . قيل : لما نفى عنه الفئة الناصرة في الدنيا نفى عنه أن ينتصر في الآخرة ، فقال * ( وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً * هُنَالِكَ ) * أي في الدار الآخرة ، فيكون * ( هُنَالِكَ ) * معمولاً لقوله * ( مُنْتَصِراً ) * . وقال الزجّاج : أي * ( وَمَا كَانَتْ * مُنْتَصِراً ) * في تلك الحال و * ( الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ) * على هذا مبتدأ وخبر . وقيل : * ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ) * مبتدأ وخبر ، والوقف على قوله * ( مُنْتَصِراً ) * . وقرأ الأخوان والأعمش وابن وثاب وشيبة وابن غزوان عن طلحة وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير * ( الْوَلَايَةُ ) * بكسر الواو وهي بمعنى الرئاسة والرعاية . وقرأ باقي السبعة بفتحها بمعنى الموالاة والصلة . وحُكِي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن لأن فعالة إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً وليس هنالك تولي أمور . وقال الزمخشري : * ( الْوَلَايَةُ ) * بالفتح النصرة والتولي بالكسر السلطان والملك ، وقد قرىء بهما والمعنى هنالك أي في ذلك المقام ، وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريراً لقوله * ( وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ) * أو * ( هُنَالِكَ ) * السلطان والملك * ( لِلَّهِ ) * لا يغلب ولا يمتنع منه ، أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر يعني إن قوله * ( وَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ) * كلمة ألجىء إليها فقالها فزعاً من شؤم كفره ، ولولا ذلك لم يقلها . ويجوز أن يكون المعنى * ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ ) * ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم ، يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن . وصدق قوله عسى * ( رَبّى إِنَّ * يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء ) * ويعضده قوله * ( هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ) * أي لأوليائه انتهى . وقرأ النحويان وحميد والأعمش وابن أبي ليلى وابن مناذر واليزيدي وابن عيسى الأصبهاني * ( الْحَقّ ) * برفع القاف صفة للولاية . وقرأ باقي السبعة بخفضها وصفاً لله تعالى . وقرأ أُبيّ * ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ ) * الحق لله برفع الحق للولاية وتقديمها على قوله * ( لِلَّهِ ) * . وقرأ أبو حيوة وزيد بن عليّ وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال ويعقوب عن عصمة عن أبي عمرو * ( لِلَّهِ الْحَقّ ) * بنصب القاف . قال الزمخشري : على التأكيد كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل وهي قراءة حسنة فصيحة ، وكان عمرو بن عبيد رحمة الله عليه ورضوانه من أفصح الناس وأنصحهم انتهى . وكان قد قال الزمخشري : وقرأ عمرو بن عبيد رحمه الله انتهى . فترحم عليه وترضى عنه إذ هو من أوائل أكابر شيوخه المعتزلة ، وكان على غاية من الزهد والعبادة وله أخبار في ذلك