أبي حيان الأندلسي

111

تفسير البحر المحيط

ولا تعنيف كما قال * ( وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) * . وقال ابن زيد : * ( مِرَآء ظَاهِرًا ) * هو قولك لهم ليس كما تعلمون . وحكي الماوردي إلاّ بحجة ظاهرة . وقال ابن الأنباري : إلاّ جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر ، والله تعالى ألقي إليك ما لا يشوبه باطل . وقال ابن بحر : * ( ظَاهِراً ) * يشهده الناس . وقال التبريزي : * ( ظَاهِراً ) * ذاهباً بحجة الخصم . وأنشد : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي ذاهب ، ثم نهاه أن يسأل أحداً من أهل الكتاب عن قصتهم لا سؤال متعنت لأنه خلاف ما أمرت به من الجدال بالتي هي أحسن ، ولا سؤال مسترشد لأنه تعالى قد أرشدك بأن أوحي إليك قصتهم ، ثم نهاه أن يخبر بأنه يفعل في الزمن المستقبل شيئاً إلاّ ويقرن ذلك بمشيئة الله تعالى ، وتقدم في سبب النزول أنه عليه السلام حين سأله قريش عن أهل الكهف والخضر والروح قال : ( غداً أخبركم ) . ولم يقل إن شاء الله ، فتأخر عنه الوحي مدة . قيل : خمسة عشر يوماً . وقيل : أربعين و * ( إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * استثناء لا يمكن حمله على ظاهره لأنه يكون داخلاً تحت القول ، فيكون من ينهي عنه ، فاحتيج في تأويل هذا الظاهر إلى تقدير . فقال ابن عطية : في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الإيجاز تقديره إلاّ أن تقول * ( إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * أو إلاّ أن تقول إن شاء الله ، فالمعنى إلاّ أن تذكر مشيئة الله فليس * ( إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * من القول الذي نهى عنه . وقال الزمخشري : * ( إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * متعلق بالنهي لا بقوله * ( إِنّى فَاعِلٌ ) * لأنه لو قال * ( إِنّى فَاعِلٌ ) * كذا * ( إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * كان معناه إلاّ أن تعترض مشيئة الله دون فعله ، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي وتعلقه بالنهي على وجهين . أحدهما : ولا تقولنّ ذلك القول إلاّ أن يشاء الله أن تقوله بأن ذلك فيه . والثاني : ولا تقولنه إلاّ بأن يشاء الله أي إلاّ بمشيئته وهو في موضع الحال ، أي إلاّ ملتبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله . وفيه وجه ثالث وهو أن يكون إلاّ أن يشاء الله في معنى كلمة ثانية كأنه قيل : ولا تقولنه أبداً ونحوه * ( وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا ) * لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله ، وهذا نهي تأديب من الله لنبيه حين قال : ( ائتوني غداً أخبركم ) . ولم يستثن انتهى . قال ابن عطية : وقالت فرقة هو استثناء من قوله * ( وَلاَ تَقْولَنَّ ) * وحكاه الطبري ، ورد عليه وهو من الفساد من حيث كان الواجب أن لا يحكي انتهى . وتقدم تخريج الزمخشري : ذلك على أن يكون متعلقاً بالنهي ، وتكلم المفسرون في هذه الآية في الاستثناء في اليمين ، وليست الآية في الإيمان والظاهر أمره تعالى بذكر الله إذا عرض له نسيان ، ومتعلق النيسان غير متعلق الذكر . فقيل : التقدير * ( وَاذْكُر رَّبَّكَ ) * إذا تركت بعض ما أمرك به . وقيل واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسيّ ، وقد حمل قتادة ذلك على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها . وقيل : * ( وَاذْكُر رَّبَّكَ ) * بالتسبيح والاستغفار * ( إِذَا نَسِيتَ ) * كلمة الاستثناء تشديداً في البعث على الاهتمام بها . وقيل : * ( وَاذْكُرْ ) * مشيئة * ( رَبَّكَ ) * إذا فرط منك نسيان لذلك أي * ( إِذَا نَسِيتَ ) * كلمة الاستثناء ثم تنبهت لها ، فتداركتها بالذكر قاله ابن جبير . قال : ولو بعد يوم أو شهر أو سنة . وقال ابن الأنباري : بعد تقضي النسيان كما تقول : اذكر لعبد الله إذا صلى صاحبك أي إذا قضى الصلاة . والإشارة بقوله لأقرب من هذا إلى الشيء المنسي أي * ( اذْكُرْ * رَبَّكَ ) * عند نسيانه بأن تقول * ( عَسَى أَن * يَهْدِيَنِى * رَبّى ) * لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه