أبي حيان الأندلسي
108
تفسير البحر المحيط
ضمير جمع عائد على أحد . وقال الزمخشري : الضمير في * ( أَنَّهُمْ ) * راجع إلى الأهل المقدر في * ( أَيُّهَا ) * والظهور هنا الاطلاع عليهم والعلم بمكانهم . وقيل : العلو والغلبة . وقرأ زيد بن عليّ * ( يَظْهَرُواْ ) * بضم الياء مبنياً للمفعول ، والظاهر الرجم بالحجارة وكان الملك عازماً على قتلهم لو ظفر بهم ، والرجم كان عادة فيما سلف لمن خالف من الناس إذ هي أشفى ولهم فيها مشاركة . وقال حجاج : معناه بالقول يريد السب وقاله ابن جبير * ( أَوْ يُعِيدُوكُمْ ) * يدخلوكم فيها مكرهين ، ولا يلزم من العود إلى الشيء التلبس به قبل إذ يطلق ويراد به الصيرورة * ( وَلَن تُفْلِحُواْ ) * إن دخلتم في دينهم و * ( إِذَا ) * حرف جزاء وجواب ، وقد تقدم الكلام عليها وكثيراً ما يتضح تقدير شرط وجزاء . * ( وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابْنُواْ ) * . قبل هذا الكلام جمل محذوفة التقدير فبعثوا أحدهم ونظر أيها أزكى طعاماً وتلطف ، ولم يشعر بهم أحداً فأطلع الله أهل المدينة على حالهم وقصة ذهابه إلى المدينة وما جرى له مع أهلها ، وحمله إلى الملك وادعائهم عليه أنه أصاب كثيراً من كنوز الأقدمين ، وحمل الملك ومن ذهب معه إليهم مذكور في التفاسير ذلك بأطول مما جرى والله أعلم بتفاصيل ذلك ، ويقال عثرت على الأمر إذا أطّلعت عليه وأعثرني غيري إذا أطلعني عليه ، وتقدم الكلام على هذه المادة في قوله * ( فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) * ومفعول * ( أَعْثَرْنَا ) * محذوف تقديره * ( أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ) * أهل مدينتهم ، والكاف في * ( وَكَذالِكَ ) * للتشبيه والتقدير وكما أنمناهم بعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم ، والضمير في * ( لِيَعْلَمُواْ ) * عائد على مفعول * ( أَعْثَرْنَا ) * وإليه ذهب الطبري . و * ( وَعَدَ اللَّهُ ) * هو البعث لأن حالتهم في نومهم وانتباهتهم بعد المدة المتطاولة كحال من يموت ثم يبعث و * ( لاَ رَيْبَ ) * فيها أي لا شك ولا ارتياب في قيامها والمجازاة فيها ، وكان الذين أعثروا على أهل الكهف قد دخلتهم فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور ، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه . وقالوا : تحشر الأرواح فشق على ملكهم وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم حتى لبس المسوح وقعد على الرماد ، وتضرع إلى الله في حجة وبيان ، فأعثر الله على أهل الكهف ، فلما بعثهم الله تعالى وتبين الناس أمرهم سرّ الملك ورجع من كان شك في أمر بعث الأجساد إلى اليقين ، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله * ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) * و * ( إِذْ ) * معمولة لأعثرنا أو * ( لِيَعْلَمُواْ ) * . وقيل : يحتمل أن يعود الضمير في و * ( لِيَعْلَمُواْ ) * على أصحاب الكهف ، أي جعل الله أمرهم آية لهم دالة على بعث الأجساد من القبور . وقوله * ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ ) * على هذا القول ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم ، والتنازع إذ ذاك في أمر البناء والمسجد لا في أمر القيامة . وقيل : التنازع إنما هو في أن أطلعوا عليهم . فقال بعض : هم أموات . وقال بعض : هم أحياء . وروي أن الملك وأهل المدينة انطلقوا مع تمليخاً إلى الكهف وأبصروهم ثم قالت الفتية للملك : نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم ، وتوفى الله أنفسهم وألقى الملك عليهم ثيابه ، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب ، فرآهم في المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج ، وبني على باب الكهف . والظاهر أن قوله * ( رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) * من كلام المتنازعين داخل تحت القول أي أمروا بالبناء وأخبروا بمضمون هذه الجملة كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ، ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا