أبي حيان الأندلسي
7
تفسير البحر المحيط
قال ابن عطية : أي الزموا ، وفيه معنى الاغراء . وقال الزمخشري : اسمعوا براءة . قال : فإن قلت : بم تعلقت البراءة ، بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين ؟ قلت : قد أذن الله تعالى في معاهدة المشركين أولاً ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وعاهدوهم ، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما تجدّد من ذلك فقيل لهم : إعلموا أنّ الله تعالى ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين . وقال ابن عطية : لما كان عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ) لازماً لجميع أمته حسن أن يقول : عاهدتم . وقال ابن إسحاق وغيره : كانت العرب قد أوثقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عهداً عاماً على أنّ لا يصدّ أحد عن البيت الحرام ونحو هذا من الموادعات ، فنقض ذلك بهذه الآية ، وأحل لجميعهم أربعة أشهر ، فمن كان له مع الرسول عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة أبلغ به تمامها ، ومن كان أمده أكثر أتمّ له عهده ، وإذا كان ممن يحتبس منه نقض العهد قصر على أربعة أشهر ، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة يسيح في الأرض أي : يذهب فيها مسرحاً آمناً . وظاهر لفظة من المشركين العموم ، فكل من عاهده المسلمون داخل فيه من مشركي مكة وغيرهم . وروي أنهم نكثوا إلاّ بني ضمرة وكنانة فنبذ العهد إلى الناكثين . وقال مقاتل : المراد بالمشركين هنا ثلاث قبائل من العرب : خزاعة ، وبنو مدلج ، وبنو خزيمة . وقيل : هذه الآية في أهل مكة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ) صالح قريشاً عام الحديبية على أنْ يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ، فدخلت خزاعة في عهد الرسول ، وبنو بكر بن عبد مناة في عهد قريش ، وكان لبني الديل من بني بكر دمٌ عند خزاعة فاغتنموا الفرصة وغفلة خزاعة ، فخرج نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر وبيتوا خزاعة فاقتتلوا ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقوم أعانوهم بأنفسهم ، فهزمت خزاعة إلى الحرم ، فكان ذلك نقضاً لصلح الحديبية ، فخرج من خزاعة بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم في ناس من قومهم ، فقدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم ) مستغيثين ، وأنشده عمرو فقال : * يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا * * كنت لنا أباً وكنا ولدا * ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا * * فانصر هداك الله نصراً عبدا * وادع عباد الله يأتوا مددا * * فيهم رسول الله قد تجردا * أبيض مثل الشمس ينمو صعدا * * إن سيم خسفاً وجهه تريدا * في فيلق كالبحر يجري مزبدا * * إن قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا * * وزعموا أن لست تدعو أحدا * وهم أذل وأقل عددا * * هم بيتونا بالحطيم هجدا * وقتلونا ركعاً وسجدا * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ( لا نصرت إنْ لم أنصركم )